أديسا أبابا: إزالة علم كيان البوليساريو

بقلم زكية لعروسي, باريس

 ، كثيرا ما تتحول الرموز الصغيرة إلى اسي للأمم مؤشرات عميقة على تحولات كبرى في موازين القوة. فالعلم، في الفلسفة السياسية، ليس مجرد قطعة قماش ملونة؛ إنه تمثيل مكثف لفكرة السيادة والاعتراف والشرعية داخل النظام الدولي. ومن هذا المنظور، فإن ما يُتداول حول إزالة علم ما يسمى بـ الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية من قاعات الاجتماعات الرئيسية داخل مقر الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا لا يمكن قراءته كحادثة بروتوكولية عابرة، بل كإشارة سياسية تحمل في طياتها دلالات أعمق تتعلق بإعادة ترتيب الشرعيات داخل الفضاء الإفريقي.

لقد ظل ملف الصحراء الغربية لعقود طويلة أحد أكثر القضايا تعقيدا في القارة الإفريقية، حيث تداخلت فيه حسابات التاريخ مع رهانات الجغرافيا السياسية. فمنذ انسحاب إسبانيا في منتصف سبعينيات القرن الماضي، دخلت المنطقة في نزاع مفتوح بين المغرب وجبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر، ليتحول الملف تدريجيا إلى قضية إقليمية ودولية تشارك في إدارتها مؤسسات مثل الأمم المتحدة. غير أن ما يميز اللحظة الراهنة هو أن التحولات الجيوسياسية لم تعد تقاس فقط بالاتفاقيات أو القرارات الرسمية، بل أيضا بالرسائل الرمزية التي تصدر من المؤسسات الإقليمية الكبرى. فحين يطرح سؤال العلم داخل قاعات القرار الإفريقي، فإن المسألة تتجاوز حدود البروتوكول لتلامس جوهر مفهوم الاعتراف داخل المنظمات الدولية: من يمثل الدولة؟ ومن يمتلك الشرعية الكافية ليكون جزءا من منظومة القرار القاري؟ إن إزالة علم كيان محل نزاع من فضاء اجتماعات رسمي، إن صحت هذه المعطيات، تعكس تحركا داخل بعض الدوائر الإفريقية نحو إعادة تقييم إرث قرارات اتخذت في سياقات تاريخية مختلفة. فالاتحاد الإفريقي، الذي ورث جزءا من منظومة التفكير السياسي لمنظمة الوحدة الإفريقية، يجد نفسه اليوم أمام واقع قاري جديد يتسم بصعود منطق الدولة الوطنية والاستقرار الإقليمي بدل الخطاب الثوري الذي طبع مرحلة حركات التحرر.

وفي هذا السياق، يبرز الدور المتنامي للمغرب داخل القارة الإفريقية بعد عودته إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017. فمن خلال شبكة واسعة من الشراكات الاقتصادية والاستثمارات البنيوية في غرب ووسط إفريقيا، استطاع المغرب أن يعيد صياغة حضوره القاري ليس فقط كفاعل سياسي، بل أيضا كقوة اقتصادية صاعدة تسعى إلى ربط شمال القارة بعمقها الإفريقي. غير أن القراءة الجيوسياسية العميقة تفرض علينا فهم هذا التطور ضمن إطار أوسع: إطار التحول العالمي نحو البراغماتية السياسية. ففي عالم اليوم، لم تعد الشرعية تقاس فقط بالشعارات أو بالخطابات التاريخية، بل بقدرة الفاعلين السياسيين على إنتاج الاستقرار، وبناء المؤسسات، وتحقيق التنمية.

وهنا تكمن المفارقة الفلسفية التي لطالما أشار إليها كبار المفكرين في العلاقات الدولية: فالتاريخ لا يتحرك وفق رغبات الأطراف المتنازعة، بل وفق توازنات القوة ومصالح الدول. لذلك، فإن الرموز – مثل العلم داخل قاعة اجتماع- تصبح في بعض الأحيان مرآة دقيقة لحركة أعمق تجري في بنية النظام الإقليمي. إن ما يجري اليوم في أروقة الاتحاد الإفريقي ليس مجرد نقاش حول بروتوكول، بل لحظة اختبار لمدى قدرة القارة على إعادة تعريف مفاهيم الشرعية والسيادة في ضوء تحولات القرن الحادي والعشرين. فإفريقيا، التي تسعى إلى بناء نظام قاري أكثر استقرارا وفاعلية، تجد نفسها مضطرة إلى مراجعة بعض إرث الماضي من أجل صياغة توازنات جديدة تضمن الاستقرار والتنمية. تبقى قضية الصحراء واحدة من الملفات التي تكشف بوضوح أن السياسة الدولية ليست مجرد صراع على الأرض، بل أيضا صراع على الرموز والمعاني. وحين يتغير موقع العلم داخل قاعة، قد يكون ذلك أحيانا إشارة صامتة إلى أن التاريخ نفسه بدأ يتحرك في اتجاه جديد.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *