أرشيف الشيطان: لعنة تهدد معهد العالم العرب؟

بقلم زكية لعروسي

في قلب باريس، حيث يتنفس التاريخ عبر أحجارها، تقف مؤسسة “معهد العالم العربي” كجسر شفاف بين حضارتين. لكن هذا الجسر الزجاجي الرفيع يهتز اليوم تحت وطأة 3 ملايين وثيقة أفرغتها العدالة الأمريكية، تحوِل الصداقات إلى أدلة، واللقاءات العابرة إلى أحكام أخلاقية معلقة. جاك لانغ، رئيس المعهد والوزير الفرنسي السابق، يجد إسمه متكررا 673 مرة في هذا الأرشيف الشيطاني. إنها ليست مجرد أرقام، بل هي إبر تسجيل تخترق جدران الصمت، تدوّن كل مصافحة، كل موعد، كل همسة كانت تعتقد أنها ذابت في ذاكرة النسيان.

يصف لانغ علاقته بإبشتاين بأنها “سذاجة”، بينما تسميها إبنته “صداقة”. لكن الحكمة المغربية تقول: “اللي ما يعرفش العقرب يدهسها”. السذاجة في عالم النخبة ليست براءة، بل هي إرادة عمياء للاقتراب من مراكز القوة. لانغ تعرف على إبشتاين منذ حوالي 15 عاما عبر المخرج وودي ألين، وإستفاد من خدماته الشخصية كاستخدام سيارته أو طائرته. حين إنكشفت الجرائم، قال إنه “صُدم تماما”، ولو علم بها لقطع كل إتصال فورا. لكن الأرشيف لا يسأل عن النوايا، بل يسجل الوقائع. إبنته كارولين لانغ إستقالت من منصبها بعد الكشف عن شركة أسسها إبشتاين عام 2016 وكانت تملك نصف أسهمها. قالت إنها كانت “ساذجة بشكل لا يصدق”. السذاجة العائلية هنا تشبه وباء أخلاقيا ينتقل عبر جينات العلاقات الاجتماعية.

الاستدعاء إلى “الكاي دورسي” (وزارة الخارجية الفرنسية) يوم الأحد ليس محض تحقيق، بل هو طقس تطهيري علني. طلبت رئاسة الجمهورية (الإليزيه) ورئاسة الوزراء (ماتينيون) هذا الاستدعاء، مما يظهر أن القضية تلامس أعلى مستويات الدولة. الوزير جان-نويل بارو يعلن أن الأولوية هي “ضمان سير العمل وإستمرارية ونزاهة معهد العالم العربي”، محتفظا بـ “كل الخيارات” بشأن مستقبل ولاية لانغ.

المعهد مؤسسة خاصة، لكن منحة الخارجية السنوية (12.3 مليون يورو) تمثل نصف ميزانيته، مما يجعل الدولة شريكاً صامتاً يملك سلطة القطع أو الوصل. اللعبة هنا معقدة: الدولة تريد حماية سمعة المؤسسة الثقافية الرمزية، لكنها تتحرك بحذر لأن إقالة لانغ قد تُفسر كاعتراف مسبق بالذنب في غياب أي تهم قضائية. الضغوط تأتي من جميع الأطياف السياسية، حتى من داخل حزبه الاشتراكي.
في مشهد يذكرنا بحكمة أمي خيرة: “اللي يربّي دجاج لسيدو ينعس وعينيه مفتوحين”. الفيلسوف ميشال فوكو تحدث عن “مجتمع المراقبة”، لكن ما لدينا اليوم هو “مجتمع التوثيق”. إبشتاين لم يمت؛ لقد تحوّل إلى أرشيف حيّ يتنفّس الوثائق. كل ظهور لإسم في تلك الملفات هو إستحضار لشبحه. الأرشيف هنا يصبح آلة زمن أخلاقية تعيد كتابة الماضي بلغة الحاضر.

في الثقافة العربية التقليدية، العار شكل من أشكال العدالة الاجتماعية التلقائية التي تسبق القضاء الرسمي. الفضيحة لا تحتاج إلى حكم قضائي؛ يكفي أن تنتشر الرائحة. ما يحدث مع لانغ هو تطبيق حديث لهذه الفلسفة: عدالة إجتماعية رقمية، حيث تصبح الوثائق الإلكترونية بديلا عن “الوشاية” التقليدية، ويتحول الرأي العام إلى محكمة أخلاقية فورية, ويصبح معهد العالم العربي مكانا تمتص جدرانه العار. هذا المعهد ليس مجرد مبنى من زجاج وحجر؛ إنه رمز للعلاقات العربية-الفرنسية. عندما يلوث الرأس، ينتقل التلوث إلى كل الجسد. الجدران الزجاجية للمعهد، المصممة لتمثل الانفتاح والشفافية، تتحول إلى مرايا تعكس العار. كل معرض، كل ندوة، كل افتتاح يصبح مراقبا عبر عدسة الفضيحة. الموقع يصبح ملعونا، شريكا في الجريمة بالارتباط. في فلسفة الصورة الذهنية، المكان لا ينفصل عن ساكنيه. المعهد الآن في مفترق طرق: إما أن يتحول إلى نصب تذكاري للفضيحة، أو يخضع لعملية تطهير كاملة قد تكلفه هويته الثقافية الفريدة.

في الأسطورة الإغريقية، بنى ديدالوس متاهة المينوتور لتحبيس الوحش، لكن وجد نفسه عاجزا عن الخروج منها. هكذا هي شبكة إبشتاين: دخلها الكثيرون بسهولة ووجدوا أنفسهم عاجزين عن الفكاك، حتى بعد موت صانع المتاهة. كما تقول رأس الحكمة أمي خيرة: “اللي يركب البحر يتزود من الطوفان”. من ركب بحر العلاقات مع إبشتاين عليه الآن أن يواجه طوفان الوثائق وإعصار السمعة. متاهة القرار الذي ستتخذه الدولة الفرنسية يوم الأحد لن يحدد مصير رجل واحد فقط، بل مصير جسر حضاري بكامله. البحر هادئ دائما قبل العاصفة، لكن بعض العواصف تستمر حتى بعد غرق ربّان السفينة.
اللعنة الحقيقية ليست في الموت، بل في فلسفة العار الرقمي وفي بقاء إبشتاين كأرشيف حيّ يحاكم الأحياء. إبشتاين تحوّل إلى شبح من ورق، يذكرنا بأن في عالم “مجتمع التوثيق”، لا شيء ينسى، وكل لقاء قد يتحول يوما إلى شاهد قبر،وكل وثيقة إلى محكمة أخلاقية للسمعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *