أوروبا وعودة الحماية الصناعية

بقلم زكية لعروسي

في لحظة تتزايد فيها المنافسة الاقتصادية بين القوى الكبرى، تجد أوروبا نفسها أمام سؤال استراتيجي لم يعد بالإمكان تأجيله:كيف يمكن لقارة بنت قوتها على انفتاح الأسواق أن تحمي صناعاتها في عالم يتجه بسرعة نحو سياسات صناعية أكثر تدخلا وحماية؟ تكشف دراسة حديثة لمركز الأبحاث الأوروبي Strategic Perspectives أن الاتحاد الأوروبي كان، حتى وقت قريب، أقل الاقتصادات الكبرى اعتمادا على سياسات تفضيل الإنتاج المحلي. ففي عام 2025 لم يتجاوز عدد الإجراءات القطاعية الهادفة إلى دعم الصناعة الأوروبية ستة إجراءات فقط، وهو رقم ضئيل مقارنة بما قامت به قوى اقتصادية أخرى. الولايات المتحدة، على سبيل المثال، اعتمدت ما يقارب ألف إجراء صناعي موجّه، فيما طبّقت الهند أكثر من ثلاثمائة سياسة مماثلة، وتبعتها دول أخرى مثل البرازيل وروسيا بعشرات الإجراءات الهادفة إلى تعزيز الإنتاج المحلي. هذه الأرقام لا تعكس مجرد اختلاف في الأدوات الاقتصادية، بل تكشف عن اختلاف عميق في الفلسفة الاقتصادية. فمنذ عقود، تبنى الاتحاد الأوروبي نموذج السوق المفتوحة والتنافسية العالمية، معتبرا أن حرية التجارة وتكامل الأسواق كفيلان بضمان الكفاءة الاقتصادية والازدهار الصناعي. غير أن التحولات الجيوسياسية، وتصاعد المنافسة مع الصين، إلى جانب عودة السياسات الصناعية في الولايات المتحدة، فرضت على بروكسل إعادة النظر في هذا النهج.

خلال العقد الأخير، شهد الاقتصاد العالمي عودة واضحة لما يمكن وصفه بـ”الحمائية الذكية”. لم تعد الدول تكتفي بفرض الرسوم الجمركية التقليدية، بل طورت منظومة معقدة من الحوافز المالية، والإعفاءات الضريبية، وشروط المحتوى المحلي، بهدف جذب الاستثمارات الصناعية وتعزيز الإنتاج الوطني. الولايات المتحدة جسدت هذا التوجه بوضوح عبر حزم تشريعية ضخمة تستهدف الصناعات الاستراتيجية مثل الطاقة النظيفة. أما الهند فقد تبنت برامج تحفيزية واسعة لتشجيع التصنيع المحلي، في حين تلجأ الصين إلى أدوات أكثر مرونة، مثل توجيه الشركات المملوكة للدولة نحو تفضيل الموردين المحليين، وهو ما يشكل شكلا غير مباشر من الحماية الاقتصادية. في هذا السياق العالمي المتغير، بدا الاتحاد الأوروبي وكأنه يسير عكس التيار. فباستثناء بعض القطاعات الحساسة مثل الدفاع وإنتاج اللقاحات بعد جائحة كوفيد-19، لم يطور التكتل الأوروبي أدوات قوية لحماية سلاسله الصناعية. ومع ذلك، فإن الصورة ليست بالبساطة التي توحي بها الأرقام. فبعض الدول الأوروبية لجأت بالفعل إلى إجراءات يمكن اعتبارها شكلا من أشكال “الحمائية غير المباشرة”. هذه السياسات لا تعلن صراحة تفضيل الإنتاج المحلي، لكنها تصمم بطريقة تجعل المنتجات الأجنبية أقل قدرة على الاستفادة من الدعم الحكومي. في فرنسا، على سبيل المثال، يستخدم معيار”البصمة الكربونية” ضمن برامج دعم السيارات الكهربائية، وهو معيار يؤدي عمليا إلى تقليص استفادة السيارات المستوردة – خصوصا الصينية – من الإعانات الحكومية. كما اتخذت دول مثل إيطاليا وإسبانيا وعدد من دول أوروبا الوسطى إجراءات تهدف إلى حماية قطاعات صناعية محددة، وإن كانت تقدم غالبا تحت عناوين بيئية أو تنظيمية. هذه الممارسات تعكس التوتر القائم داخل الاتحاد الأوروبي بين مبادئ السوق الموحدة من جهة، وضغوط الواقع الصناعي من جهة أخرى.

إعلان بروكسل عن إطار تنظيمي جديد لحماية “صنع في أوروبا” يمثل خطوة رمزية نحو تحول أوسع في التفكير الاقتصادي الأوروبي. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بحماية الصناعات التقليدية، بل بقدرة القارة على الحفاظ على موقعها في الصناعات المستقبلية: البطاريات، الهيدروجين الأخضر، الرقائق الإلكترونية، والتقنيات الرقمية المتقدمة. التحدي الحقيقي أمام أوروبا لا يكمن في تبني سياسات صناعية فحسب، بل في تحقيق توازن دقيق بين الحماية الاقتصادية والحفاظ على مبادئ المنافسة الحرة التي قامت عليها السوق الأوروبية الموحدة. فالإفراط في الحماية قد يؤدي إلى إضعاف الابتكار ورفع التكاليف، بينما يؤدي الانفتاح المفرط إلى تسارع تراجع القاعدة الصناعية. يقف الاتحاد الأوروبي اليوم عند مفترق طرق تاريخي. فالعالم الذي تشكل بعد الحرب الباردة، والقائم على تحرير التجارة وتقليص تدخل الدولة، يتغير بسرعة. ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية واشتداد المنافسة التكنولوجية، باتت السياسات الصناعية أداة مركزية في الاستراتيجيات الاقتصادية للدول الكبرى. بالنسبة لأوروبا، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت بحاجة إلى سياسة صناعية، بل كيف يمكن تصميم هذه السياسة بحيث تحمي القدرة الإنتاجية للقارة دون أن تتخلى عن قيم الانفتاح الاقتصادي التي شكلت أحد أعمدة قوتها لعقود. وفي هذا التوازن الصعب قد يتحدد مستقبل الصناعة الأوروبية في العقود القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *