الثروة والفقر: أين الخطيئة من القدر؟

بقلم د. زكية لعروسي

في وقت يتباهى فيها العالم بأرقامه القياسية، ويعلّق على جدران أوكسفيم (Oxfam) أوسمة من ذهب سائل، خرج تقرير لمنظمة ليقول إن اثني عشر رجلا يقفون على قمّة الهرم يملكون ما لا تملكه نصف البشريّة، أربعة مليارات روح تمشي على الأرض بخفّة الغبار وثقل الحرمان. كأنّ التاريخ أعاد ترتيب مسرحيته القديمة، فاختصر هؤلاء في دزينة، واختصر الآخرين في كوكب. ليست المفارقة في الرقم وحده، بل في الصورة التي يصنعها الرقم حين يتحوّل إلى مجاز: اثنا عشر كوكبا من ذهب يدور حولها سرب من الأجساد النحيلة، تدور ولا تبلغ المدار. الثروة هنا ليست مالا فحسب، بل قدرة على هندسة الزمن، على شراء المستقبل قبل أن يولد، وعلى تحويل السياسة إلى غرفة انتظار خاصّة.

منذ أن كتب أرسطو عن العدالة بوصفها «فضيلة التناسب»، والبشر يختلفون حول معنى القسطاس. وفي العصور الوسطى، حين كان الإقطاعي يملك الأرض ومن عليها، كان الفقر يفهم باعتباره قدرا سماويا. ثم جاءت الحداثة، ورفعت راية السوق، وقالت إن اليد الخفيّة ستوزّع الخيرات كما يوزّع المطر قطراته. لكن المطر، كما نعلم، لا يسقط بالتساوي دائما؛ هناك سهول ترتوي، وصحارى تزداد عطشا. اليوم، في زمن العولمة الرقمية، لم تعد اليد خفيّة؛ صارت مرئية على شاشات الأسهم، تتنقّل بين القارات بسرعة الضوء. الشركات العابرة للحدود تبني إمبراطورياتها من خوارزميات، والملياردير لا يحتاج إلى تاج، يكفيه تطبيق. في المقابل، يتكاثر الفقر في الأحياء الهامشية كما يتكاثر الصمت في الحناجر المرهقة. الفقير لا يملك «حسابا» في المعنى المالي فقط، بل يسلب حسابه في المعنى الوجودي؛ يصبح رقما في تقرير، سطرا في إحصاء. حين ننظر إلى هذه المفارقة، نرى التاريخ كأنه بندول يتأرجح بين تركّز الثروة و انفجار الغضب. من روما القديمة، حيث كانت القلّة تملك لاتيفونديا، إلى الثورات الصناعية التي صنعت طبقات جديدة من البؤس والثراء، كان السؤال واحدا: لمن الأرض؟ لمن الخبز؟ لمن الصوت؟ الفلسفة السياسية، من روسو إلى ماركس، حاولت أن تفكّ شيفرة هذا اللغز، لكن اللغز يتجدّد مع كل عصر، ويغيّر ملابسه دون أن يغيّر جوهره.

الفقر اليوم ليس مجرّد نقص في الدخل، بل نقص في الأفق. طفل يولد في أطراف مدينة منهكة، يحمل في جيناته الاجتماعية احتمالات أقلّ، كأنّ العالم كتب له قدرا اقتصاديا قبل أن يتعلّم اسمه. وفي الجهة الأخرى، يولد طفل في برج زجاجي، فيرث شبكة من الفرص قبل أن يرث ملامح أبيه. هكذا يصبح عدم التكافؤ بنية لا حادثة، نظاما لا صدفة. والأدهى أنّ الثروة حين تتكدّس، لا تكتفي بالاقتصاد؛ تتسلّل إلى السياسة، تشتري المنابر، وتهمس في آذان المشرّعين. الديمقراطية، التي وعدت بأن تكون حكم الشعب، تجد نفسها أحيانا في مواجهة شيك مفتوح. الصوت الانتخابي، الذي يفترض أن يساوي بين الغني والفقير، يثقل بميزان التمويل، فيختلّ التوازن. ومع ذلك، لا يمكن اختزال الحكاية في صراع كاريكاتوري بين «أشرار» و«ضحايا». فالعالم أعقد من ذلك. الثروة قد تكون نتيجة ابتكار حقيقي، وعمل مضن، ومخاطرة جسورة. لكن السؤال الأخلاقي يظلّ قائما: متى يتحوّل النجاح الفردي إلى اختلال جماعي؟ ومتى يصبح التراكم فضيلة، ومتى يغدو عبئا على العقد الاجتماعي؟ ربما تكمن المأساة في أنّنا نعيش في زمن يستطيع فيه الإنسان أن يرسل مركبة إلى المريخ، لكنه يعجز عن ضمان وجبة ساخنة لكل طفل. التكنولوجيا بلغت عنان السماء، لكن العدالة ما زالت تتعثّر في الأزقّة. كأنّ الحضارة عملاق تقنيّ بقلب متردّد.

إن صورة العالم اليوم تشبه لوحة باروكية متناقضة الألوان: ذهب فاقع في الزوايا العليا، وظلال كثيفة في الأسفل. وبينهما بشر يبحثون عن معنى، عن كرامة، عن مكان في الحكاية. الفقر ليس قدرا أبديا، كما أنّ الثراء ليس خطيئة في ذاته. لكن استمرار هذه الهوّة يطرح سؤالا وجوديا: أيّ عالم نريد أن نتركه خلفنا؟ عالما تختصر فيه الإنسانية في دزينة أسماء، أم عالماً يتّسع لكرامة الأربعة مليارات؟ لعلّ الفلسفة تعلّمنا أنّ العدالة ليست حالة نبلغها مرة واحدة، بل سعي دائم، ومراجعة مستمرّة. والتاريخ يذكّرنا أنّ المجتمعات التي تتجاهل اختلال موازينها، تدفع الثمن عاجلا أم آجلا. بين الذهب والغبار، بين البرج والزقاق، يقف الإنسان، هشّا وعظيما في آن، حاملا سؤال العدالة كجمرة لا تنطفئ

One thought on “الثروة والفقر: أين الخطيئة من القدر؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *