إصلاح التعليم العالي والعزيز أخنوش

بقلم د. زكية لعروسي, باريس

في يوم مشمس من مارس 2026، جلس عزيز أخنوش على منصة الاجتماع محاطا بأرقام وإحصاءات تكاد ترقص من الفرح: زيادة في الميزانية بنسبة 30%، أكثر من مليون وثلاثمائة ألف طالب في مختلف الجامعات، 366 مسلكا جديدا، ومشاريع إيواء جامعي تناهز 11 ألف سرير. لكن كما يقول المثل المغربي: “اللي ما شافش من الغربال، ما شافش شاي” — أي أن الأرقام تلمع على الورق، لكن ما وراءها لا يراه إلا من اقترب من الواقع.

توسع العرض الجامعي والمشاريع المهيكلة في خمس مدن رئيسية يثير الانطباع بأن المغرب يبني جامعة عالمية الطراز، لكن السؤال يبقى: هل ستصل هذه الجهود إلى القرى والجهات النائية؟ أم أن الفارق بين المركز والمحيط سيظل كما يقول المثل: “اللي كاين في الباطن، ما كاينش في الظاه”؟ كلية الطب والصيدلة الجديدة بالقنيطرة مشروع فخم، لكنه يشبه فيلا أبيض في صحراء الجفاف الأكاديمي: رائع من بعيد، لكنه يحتاج إلى رعاية دقيقة لتزدهر.

منصة Elogha-sup لتعليم اللغات، بما فيها الإنجليزية والإسبانية والأمازيغية، تمثل طفرة رقمية في الجامعة المغربية. لكنها تطرح أسئلة ذكية: هل كل الجامعات مجهزة بالكوادر والإمكانات التقنية؟ هل سيستفيد منها الطالب في كل زاوية من المغرب؟ الحكمة الشعبية تقول: “اللي بغا العسل يصبر لقريص النحل”…أي أن  الطموح يحتاج صبرا ومتابعة مستمرة قبل أن تتحول المنصة إلى أداة حقيقية للتعلم.

برامج تكوين أساتذة الابتدائي والثانوي، وزيادة المقاعد في تخصصات الصحة الرقمية، تبدو خطوات ذكية نحو اقتصاد المعرفة، لكنها تحتاج إلى خريطة واضحة لسوق العمل. التحليل الذكي يطرح: هل هذه البرامج تصنع كفاءات حقيقية أم مجرد أرقام للتقارير السنوية؟ هل ستحد فعلا من الهدر الجامعي؟ كما يقول المثل:”اللي عطاه راسو للناس، ما يجيش فارغ”… النتائج الملموسة هي ما يصنع الفرق، لا الأرقام الكبيرة وحدها.

إصلاح التعليم العالي ليس مجرد تطوير محلي، بل له أبعاد جيواستراتيجية: استثمار في رأس المال البشري: الجامعات القوية ترفع من قدرة المغرب التنافسية إقليميًا ودوليًا، خاصة في مجالات الصحة والتقنيات الرقمية. تقليل الهجرة الأكاديمية: بتطوير المرافق والمسارات المتقدمة، قد يظل الطلاب في المغرب بدل السفر للخارج، ما يعزز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. ربط التعليم بالاقتصاد الوطني: برامج الابتكار والبحث العلمي تسهم في إحداث جيل قادر على إنتاج حلول محلية، ما يجعل المغرب لاعبا قويا في الاقتصاد المعرفي العالمي. لكن السؤال الذي يبقى معلقا: هل هذه الرؤية استراتيجية فعلية أم مجرد حلم إعلامي بالأرقام البراقة؟

إن إصلاح التعليم العالي في المغرب يشبه لوحة سريالية: ألوان زاهية، خطوط فاخرة، لكن تفاصيلها تحتاج إلى لمسها بحكمة وذكاء. المثل المغربي يذكرنا: “اللي بغا يدير الخير، يديها من الزين قبل ما يديها من الزمان” …أي أن التنفيذ الحقيقي أهم من الكلام الكبير والأرقام البراقة. وإلى أن تتحول هذه المشاريع من ورق إلى واقع ملموس، يبقى السؤال  الذي يخلخل الفكر: هل نحن بصدد ثورة تعليمية حقيقية، أم مجرد مسرح من الأرقام الكبيرة والحكايات الرسمية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *