إقصاء بيم باندي وتغيير تود بلانش 

بقلم زكية لعروسي, باريس

في مسرح السياسة الأمريكية، حيث تختلط الحقيقة بالرمز, تتجلى واقعة إقالة وزيرة العدل كفصل آخر من ملحمة السلطة التي لا تهدأ. هنا، لا يبدو الحدث مجرد قرار إداري صادر عن ترامب، بل أشبه بإزاحة حجر من رقعة شطرنج كونية، حيث كل حركة تحمل صدى يتجاوز ظاهرها. لقد أقصيت بيم باندي من موقعها، لا فقط بسبب عاصفة الانتقادات التي أثارتها قضية جيفري إبشتاين، بل لأن السلطة -في جوهرها- تخشى اللحظات التي تفلت فيها الرواية من قبضتها. فملف إبشتاين لم يكن مجرد قضية جنائية؛ لقد تحوّل إلى شبح معاصر، يتجوّل بين دهاليز النخب، يهدد بكشف ما لا يقال، ويعيد طرح السؤال الأبدي: من يحاسب من؟

إن تعيين تود بلانش، المحامي الشخصي السابق للرئيس، ليس تفصيلا تقنيا، بل إشارة ذات دلالة فلسفية عميقة. فحين تنتقل العدالة من كونها مؤسسة مستقلة إلى امتداد لشخص، تتغير طبيعتها الرمزية: من ميزان محايد إلى أداة ضمن شبكة الولاء. هنا، تتقاطع السياسة مع ما وصفه نيكولو ماكيافيلي منذ قرون، حين رأى أن الحاكم لا يسعى فقط إلى السلطة، بل إلى السيطرة على شروط استمرارها.

غير أن المشهد يزداد غرابة حين تظهر -كأنها منبثقة من كابوس سريالي- تماثيل تجسّد ترامب ممسكا بيد جيفري إبشتاين. هذا التمثال ليس مجرد عمل فني ساخر، بل هو اختزال بصري لقلق جماعي: محاولة المجتمع أن يجسّد ما لا يستطيع قوله مباشرة. فالفن، كما في عصور الانحطاط الإمبراطوري، يصبح مرآة مشوّهة تعكس الحقيقة حين تعجز السياسة عن ذلك.

في هذا السياق، لا يمكن فهم الإقالة بمعزل عن بنية أعمق: بنية السلطة التي تعيد تشكيل نفسها عبر الإقصاء والتعيين، عبر الحماية والتضحية. إن ترامب لا يدير مجرد إدارة، بل ينسج سردية…سردية يعاد فيها تعريف الولاء، وتعاد فيها كتابة حدود المؤسسات.

وإذا استدعينا التاريخ، سنجد أن هذه اللحظة ليست استثناء. ففي الإمبراطوريات القديمة، كان المقرّبون يرفعون إلى أعلى المناصب لا لخبرتهم فقط، بل لضمان ولائهم. وفي لحظات الأزمة، كان الحاكم يضحي ببعض رموزه لامتصاص الغضب، ثم يعيد ترتيب المشهد بما يخدم استمراره. وهكذا، يتكرر النمط، وإن تغيّرت الوجوه.

لكن ما يجعل هذه الواقعة أكثر إثارة للدهشة هو تداخلها مع عصر الشفافية الرقمية، حيث لا تختفي الأحداث، بل تتكاثر صورها. التمثال، الخبر، التعليق، التسريب -كلها تشكّل طبقات من الواقع، حتى يغدو من الصعب التمييز بين الحقيقة وتمثيلها. وهنا، يتحوّل المواطن من متلق إلى شاهد ضائع في متاهة السرديات.

إن إقالة بيم باندي، في هذا الضوء، ليست نهاية قصة، بل بداية تأويل. إنها لحظة يتكثف فيها الصراع بين العدالة كفكرة، والسلطة كقوة. لحظة يعاد فيها طرح السؤال الذي لم يغادر التاريخ يوما: هل تصاغ العدالة وفق القانون، أم وفق إرادة من يملكون القدرة على تفسيره؟ وفي الفراغ الذي يتركه هذا السؤال، يولد ذلك الشعور الغامض -أننا لا نعيش حدثا، بل فصلا من حكاية أكبر، حكاية تكتب الآن، لكنها تشبه كل ما كتب من قبل.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *