أميرنا مولاي الحسن أكبر من مهاترات لكسبرس

logo journal l'express

بقلم زكية لعروسي

ما الذي تبحثون عنه حقا حين تفاجؤون بأن مولاي الحسن يظهر في بلده, لا بوصفه صورة إحتفالية, بل ككائن في صلب سياقه محاطا بأساتذة وباحثين يشرفون المغرب بعلمهم في جامعة لا تقل شأنا عن كبريات الجامعات الدولية… جامعات قد تتجاوز بعضها بصرامة عقولها ودقة مناهجها وقدرتها على إنتاج المعنى لا إستهلاكه؟ متى كان العلم حكرا على جغرافيا بعينها، أو البحث العلمي إمتيازا تمنحه العواصم وتمنعه الأوطان؟
من أرسطو الذي جعل الفعل السياسي امتدادا للفضيلة لا انفصالا عنها، إلى ابن خلدون الذي ربط قيام الدول بالعمران لا بالصدفة، مرورا بهايدجر الذي ذكرنا بأن الوجود الأصيل لا يصنع في الضجيج، يعلمنا الفكر الإنساني أن الحكمة لا تقاس بالمكان، بل بقدرة العقل على الانغراس في واقعه دون أن يفقد أفقه.

مولاي الحسن ليس صورة علاقات عامة ولا منتجا إعلاميا عابرا… إنه شبل يتشكل في الصمت. والصمت هنا ليس فراغا بل كثافة، ليس غيابا بل امتلاء مؤجل. فكما يقول هايدجر لا يكون الكائن أصيلا إلا حين يصغي قبل أن يتكلم.
ذكاؤه ليس طارئا ولا حماسة غير محسوبة، بل قدرة مبكرة على قراءة التاريخ باعتباره مخزونا استراتيجيا لا أرشيفا منتهيا. وحسه بالمسؤولية يتشكل عبر الفهم قبل الحكم، وبالإصغاء قبل الفعل، وهذا بشهادة باحثين وعلماء مغاربة وأجانب ذوي عمق دولي لا تغريهم الأساطير ولا تحركهم المجاملات.

أما ما يثار حول ارتباطه بوالدته فهو يعري أكثر مما ينتقد. منذ متى كان الوفاء للأم نقصا؟ ومنذ متى صارت الأمومة عارا سياسيا؟ في فلسفة أرسطو كانت الأخلاق شرط السياسة، وفي فكر ابن خلدون كانت العصبية المتوازنة شرط العمران، وفي التجربة الإنسانية العميقة كانت الأم أصل التكوين لا هامشه.

الذين يرون في هذا الارتباط ضعفا ينطلقون من تصور قاس للسلطة يخلط بين الجفاء والقوة، وبين القطيعة والنضج. التاريخ علمنا أن أكثر أشكال التوحش السياسي ولدت من انقطاع وجداني لا من قرب إنساني، وأن القائد الذي لم يصالح أصله نادرا ما يصالح شعبه.

أما تلك التلميحات الغامضة والإشارات التي تُشم ولا تُرى، فنقولها بهدوء حاسم: السياسة لا تدار بمنطق المحاكمات القبلية، ولا تفهم عبر الإيحاء. الدولة تقاس بالبنية لا بالثرثرة، وبالاستمرارية لا بالانطباع.
إن تشبيهه بجده الملك الحسن الثاني لا يضعفه بل يمنحه عمق السلالة السياسية. فالحسن الثاني لم يكن مجرد حاكم، بل رجل دولة فهم الزمن، وسلم لجلالة الملك محمد السادس مفاتيح مغرب آمن، فكان الانتقال محسوبا قائما على الشرعية لا الارتجال.

المغرب مرتبط بملكيته ارتباط المعنى بالكلمة، والجذر بالشجرة. ولا عزاء لمن يلوحون بعصي من أوهام، فالأوهام لا تسقط الدول. ونقولها بوضوح سيادي لا يحتاج إلى تبرير: مولاي الحسن أميرنا، والمغرب دولة تعرف كيف تربي مستقبلها بعيدا عن منطق الاستفزاز، وقريبا من منطق السيادة الهادئة. فإن أردتم خلخلة الجذع… فقد تناسيتم أن الجذع من الجذع وما سميتموه إندفاع… فنحن نقول عنه تشكل قوة وهيبة دولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *