بقلم زكية لعروسي
في الفلسفة السياسية القديمة، كان الحكم يعدّ عبئا ثقيلا. أفلاطون تخيّل الحاكم الفيلسوف رجلا يضطر إلى السلطة اضطرارا، لا رغبة فيها، ويغادرها متى سنحت الفرصة. لكن التجربة المعاصرة تبدو أكثر إبداعا: فبعض المسؤولين يعلنون التعب من التسيير… ثم يواصلون الحكم وكأن التعب مجرد تمرين بلاغي. هكذا يولد نوع جديد من القرارات السياسية: قرار الرحيل الذي لا يرحل. في الظاهر، تبدو القصة إنسانية. رجل خدم طويلا، أرهقته المسؤولية، وأدرك أن للحياة وجها آخر خارج الاجتماعات والملفات. قرار الراحة يبدو، في ذاته، فضيلة شخصية. فمن حق أي إنسان أن يبحث عن سكينة متأخرة بعد سنوات من الصخب العمومي. غير أن المشكلة في السياسة لا تكمن في النوايا، بل في الذاكرة. فالذاكرة العامة – على عكس ما يعتقده بعض مهندسي الخطاب – لا تصاب بسهولة بمرض الزهايمر السياسي. عندما يعلن مسؤول أنه تعب، تتذكر الذاكرة فورا سنوات السياسات، وبرامج الإصلاح، والوعود الكبيرة التي قدمت بوصفها مفاتيح المستقبل. تتذكر أيضا أن بعض تلك المفاتيح لم يفتح شيئا.
لقد عرفت قطاعات استراتيجية في سنوات سابقة خططا عملاقة، صممت بعناوين جذابة، وبيعت للجمهور باعتبارها قاطرة للتنمية. غير أن الأرقام – تلك الكائنات الباردة التي لا تعرف المجاملة – قالت شيئا مختلفا: هشاشة أعمق، تفاوت أكثر وضوحا، ودعم عمومي تحوّل تدريجيا من أداة للعدالة إلى امتياز مركّز بعناية. ومع ذلك، لم يحدث شيء يذكر. لا لجان تقييم صاخبة، ولا نقاشات وطنية حول الجدوى، ولا حتى ذلك الاعتذار السياسي القديم الذي كانت الديمقراطيات الكلاسيكية تعتبره جزءا من الأدب العام. ربما لأن الاعتذار، في زمننا، أصبح سلوكا غير اقتصادي. ثم جاءت المرحلة الحكومية، حيث انتظر المواطن انعطافة اجتماعية توازي حجم الوعود. لكن الواقع كان أقل شاعرية: أسعار ترتفع بثقة، أولويات تتبدل بمرونة، وخطاب رسمي يطلب من الناس الصبر… كثيرا من الصبر… إلى حد أن الصبر نفسه كاد يحتاج إلى دعم عمومي. في تلك اللحظة بدأ السؤال القديم يعود بثوب جديد: هل نحن أمام سوء تدبير؟ أم أمام تدبير يعرف جيدا أين يجب أن ينجح وأين يمكنه أن يتعثر دون تكلفة سياسية كبيرة؟ إنه سؤال فلسفي بقدر ما هو اقتصادي. واللافت أن موضوع الثروة يظهر دائما في اللحظات الأخيرة من المسرحية. فجأة تتحول الممتلكات إلى موضوع تأمل، والاستثمارات إلى دليل على “النجاح”، والتنقل بين العواصم إلى علامة على العالمية. لكن في الحكومات التي تحترم ذكاء مواطنيها، لا يقاس النجاح السياسي بعدد العقارات ولا باتساع المحافظ الاستثمارية.
النجاح الحقيقي يقاس بشيء أكثر بساطة: أن يغادر المسؤول منصبه وملفه خفيف. خفيف من الأسئلة الثقيلة. غير أن المفارقة الكبرى تكمن في الشعار الذي أصبح جزءا من الديكور السياسي: ربط المسؤولية بالمحاسبة. عبارة جميلة، متوازنة لغويا، تصلح للخطب الرسمية، وربما للطباعة على اللافتات. لكن الكلمات – كما يعرف الفلاسفة – قد تعيش حياة مزدوجة: حياة في اللغة… وحياة أخرى في الواقع. وفي الواقع، تبدو المحاسبة أحيانا أقرب إلى فكرة نظرية، مثل المدينة الفاضلة أو العقد الاجتماعي: جميلة في الكتب، غامضة في التطبيق. لهذا فإن لحظة المغادرة هي الاختبار الحقيقي لأي حكومة.
ليس السؤال متى يذهب المسؤول، بل ماذا يحدث بعد أن يذهب. هل تفتح ملفات السياسات التي قادها؟ هل تقرأ الأرقام ببرودها الكامل؟ هل يطرح السؤال البسيط الذي يخشاه دائما: ماذا نجح، وماذا فشل، ولماذا؟ أم أن الطقس السياسي سيكتفي بالصيغة التقليدية: كلمات شكر على”الخدمات الجليلة”، وابتسامات بروتوكولية، وذاكرة رسمية قصيرة بما يكفي لتبدأ الصفحة التالية بلا مراجعة. في النهاية، قد يقرر السياسي أن يستريح. وقد يعلن الرحيل. وقد يبقى أيضا، لأن الرحيل في السياسة ليس دائما فعلا ماديا، بل أحيانا مجرد استعارة. لكن الأسئلة، بخلاف السياسيين، لا تعرف التقاعد. إنها تبقى هنا، في ذاكرة المجتمع، تراقب الزمن ببطء، وتذكّر الجميع بحقيقة بسيطة: الشعوب قد تتسامح، وقد تصبر طويلا، لكنها نادرا ما تتخلى نهائيا عن حقها في الفهم. أما التاريخ، ذلك القاضي الصامت، فله عادة غريبة: يستمع طويلا… ثم يكتب حكمه بلا سخرية، لكن أيضا بلا مجاملة.

لما تستعصي الأمور على الفهم، تبقى لغة الإستعارة هي مفتاح مقاربة ما يجري. ماذا ننتظر من رأس حكومة بدون عقل سياسي ، فقط هو ضابط للأرقام في ال من الرقمي. الزمن لا لا تحضر فيه هوية الإنسان سوى كرقم. والأرقام كما ورد في المقال، كاءنات باردة. كيف لعقل تدبيري لا سياسي، أن يستوعب ثقل المفاهيم الفلسفية، من قبيل السياسة والسياسي، المسؤولية والمحاسبة؟ هو يعرف محاسبة واحدة هي تلك التي تقوم بها الحسابة على طاولة الصراف.