بقلم زكية لعروسي، باريس
أهذا ما آل إليه السعي وراء الجمال؟ أن يختزل العمر في حقنة عابرة، يسدل الستار على روح كانت تضحك، وتملأ الدنيا حضورا؟ في ضواحي ليون، وتحديدا في مدينة فيلوربان، سقطت امرأة في الأربعينيات من عمرها – وكانت معروفة في عالم التواصل الاجتماعي – ليس على يد القدر، بل على يد امرأة أخرى أوهمتها بأن الشباب يشترى بالإبر، وأن البريق يحقن في الوريد. ماتت بعد أن أعطيت حقنة من حمض الهيالورونيك و الليدوكائين في مؤخرتها، داخل شقة عادية، حيث غابت شروط الصحة والطب، وحضرت شهوة الربح السريع.
والغريب أن القاتلة لم تكن طبيبة، بل كانت تقدّم نفسها على إنستغرام كخبيرة في التجميل، تبيع الوهم بمهارة، وتجني المال دون اكتراث بالأرواح. اليوم، هي موقوفة بتهمة “القتل غير العمد” و”ممارسة الطب دون ترخيص”، وقاضي التحقيق ينتظر تقريرا ليكشف تفاصيل تلك اللحظة التي تحولت فيها الرغبة في التجدد إلى نهاية.
وهذه القصة – كما لو أنها حكاية من مقامات الحريري أو نتف من رسائل الجاحظ تضعنا أمام تناقض أبدي في الإنسان: حبه للحياة يدفعه إلى المجازفة بالموت. فمنذ القديم، والعرب يتغزلون بالجمال الطبيعي، ويضربون الأمثال بما تحمله الجوارح من صدق لا تزيفه الإبر. قالت العرب قديما: “الجمال بلا تكلف”، وكانت أمهاتنا يفتخرن بتجاعيد وجه حكت قصصا، ونسجت من العمر حكايات.
أما اليوم، فأصبح الجمال جريمة بحق الذات، يسوّق له في غرف مغلقة، ويمارس من أيد لا تعرف إلا الضربة القاتلة. وفي هذا السياق، يحذر الأطباء مرارا من أن هذه الحقن غير القانونية قد تؤدي إلى نخر الأنسجة، أو انسداد الأوعية، أو تشوهات لا تصلح. وفي عام 2025 وحده، سجّل مجلس الأطباء الفرنسي 213 بلاغا عن أعمال تجميل غير قانونية، وبلغت 28 بلاغا فقط في شهور 2026 الأولى أرقام يعترف المجلس بأنها لا تعكس الحقيقة كاملة. ولم يكن هذا أول تحذير. فبين أغسطس وسبتمبر 2024، دخل ثمانية أشخاص إلى العناية المركزة بسبب مضاعفات خطيرة من حقن مشبوهة: صعوبة في الكلام والبلع، ازدواجية في الرؤية، فشل تنفسي اضطر بعضهم إلى ثقب القصبة الهوائية.
إنها مأساة أن يموت الإنسان بحثا عن “الوجه البديل”، وأن تتحول خدود كانت تبتسم إلى مقابر صغيرة تدفن فيها الأحلام. هذا الجمال الذي يباع في الظلام ليس إلا مرآة مكسورة، كل قطعة منها تسلخ جزءا من الروح. أما الوجه الحقيقي، فذاك الذي لا يموت بتجاعيده، لأن فيه من حكايات الأجداد، ودفء الأمهات، وعتق الوجع الذي يصقل الإنسان.
لعل في قصة هذه المرأة الفرنسية العربية – التي غادرت الدنيا باكرا بحثا عن شباب لا يدوم – درسا لكل من يظن أن الجمال يباع في زجاجة أو يحقن في إبرة. فالوجه الذي يغادر بلا أثر هو الذي لم يعرف قيمته إلا بعد أن ضاع. أما الوجوه الحقيقية، فتخلّدها الذاكرة، وتروي عنها الحكايات، ولا تحتاج إلى جراح مشبوه لتبقى جميلة. وعسى أن تكون هذه القصة نهاية لكل وهم يباع على مواقع التواصل، وبداية لوعي بأن الجمال الحقيقي هو أن تعيش، وأن تبقى ملامحك حكاية يروى منها لا شاهدا على جريمة.
📲 Partager sur WhatsApp