بقلم زكية لعروسي, باريس
في قلب الريف الإيطالي الهادئ، حيث تبدو الفيلات القديمة وكأنها تحرس الزمن أكثر مما تحتضنه، وقع ما يشبه الخيانة الرمزية للذاكرة الإنسانية. أربعة ملثمين، في عملية دقيقة وسريعة، اقتحموا فضاءً مكرّسا للجمال: مؤسسة “ماغناني روكا” قرب بارما، وغادروا بثلاث لوحات لا تُقدّر بثمن، موقّعة بأسماء ليست مجرد فنانين، بل أعمدة في معبد الحداثة: رينوار، سيزان، وماتيس. الواقعة، في ظاهرها، حادثة سرقة. لكنها، في عمقها، سؤال ثقيل: ماذا يحدث حين يتحول الفن -وهو التعبير الأسمى عن الروح- إلى غنيمة في سوق الظلال؟ تبدو العملية مدروسة بعناية. دخول ليلي، استهداف انتقائي، معرفة مسبقة بقيمة الأعمال ومسارات الحماية. لم يكن الأمر اندفاعا عشوائيا، بل فعلاً منظّما، يحيل إلى شبكات تتقن التعامل مع الفن لا بوصفه جمالا، بل كأصل قابل للتداول، أو كعملة في اقتصاد غير مرئي. فهذه الأعمال، على شهرتها، تكاد تكون “غير قابلة للبيع” في الأسواق التقليدية، ما يفتح باب فرضيات أخرى: طلب خاص، ابتزاز، أو حتى تخزينها في خزائن سرية حيث يتحول الفن إلى “”رهينة فاخرة

لكن ما يجعل هذا الحدث أكثر إثارة للقلق، هو أنه لا يقف وحده. فسرقات الفن الكبرى، من متاحف باريس إلى مؤسسات أوروبية أخرى، تعود كأنها ظاهرة دورية، تتكرر بأشكال مختلفة، لكنها تحمل القلق ذاته: هشاشة الحماية أمام إصرار الجريمة. ما حدث في متحف اللوفر، وما سُجّل في مؤسسات ثقافية أخرى خلال العقود الماضية، يذكّرنا بأن أعظم الكنوز ليست بمنأى عن الاختفاء، وأن الجدران -مهما بلغت صلابتها- لا تستطيع دائما صدّ من يعرف كيف يتسلل. إن سرقة لوحة ليست سرقة لشيء مادي فقط، بل اقتلاع لقطعة من الذاكرة الجماعية. لوحة لسيزان، على سبيل المثال، ليست مجرد ألوان على قماش، بل هي إعادة تشكيل للعالم، محاولة لفهم الطبيعة عبر هندسة بصرية جديدة. أما رينوار، فهو احتفاء بالحياة في أنقى تجلياتها، فيما يمثل ماتيس انفجارا في الحرية والتجريد. حين تسرق هذه الأعمال، لا يسلب المتحف وحده، بل يحرم العالم من لحظة تأمل، من نافذة على ذاته.
تكشف هذه الحوادث عن مفارقة عميقة: في زمن يفترض أنه الأكثر تقدما تقنيا، حيث الكاميرات في كل زاوية والأنظمة الذكية ترصد أدق الحركات، لا يزال الفن عرضة للاختفاء. كأن الجمال، بطبيعته، يظل هشا أمام الرغبة في الامتلاك. أو كأن هناك دائما من يرى في الفن قيمة لا تقاس بالمعنى، بل بالسعر. ومن زاوية أخرى، يمكن قراءة هذه السرقات كأعراض لعلاقة مضطربة بين الإنسان والتراث. فبدلا من أن يكون الفن ملكا مشتركا، يصبح موضوع صراع، أو وسيلة للهيمنة الرمزية. في هذا السياق، لا يعود السؤال: “من سرق؟” فقط، بل”لماذا يسرق الفن أصلا؟” هل لأن قيمته ارتفعت؟ أم لأن معناه تراجع في الوعي العام؟

التحقيقات الجارية اليوم في إيطاليا قد تقود إلى أسماء وشبكات، وربما تستعاد اللوحات يوما ما. لكن الأثر الأعمق سيبقى: شعور بأن الفن، رغم خلوده الرمزي، يعيش في عالم غير مستقر، حيث يمكن أن يتحول في لحظة إلى هدف. فلا تبدو هذه السرقة حادثة معزولة، بل جزء من ظاهرة أوسع: عالم يزداد فيه التوتر، وتتحول فيه القيم -حتى الثقافية منها- إلى موضوعات قابلة للاختطاف. وبينما تغلق المتاحف أبوابها ليلا، يبقى السؤال مفتوحا: من يحرس الجمال في زمن تتكاثر فيه الأيادي التي تمتد إليه؟ ربما الجواب ليس في المزيد من الأقفال، بل في إعادة الاعتبار لمعنى الفن نفسه كقيمة إنسانية مشتركة، لا ككنز يمكن حمله والاختفاء به في عتمة العالم.

