إيطاليا: صحوة الجار… لا تعني غفلة الدار

Aerial shot of an extensive car parking lot filled with new vehicles ready for distribution.

بقلم زكية لعروسي, باريس

في الجغرافيا لا توجد صدف، وفي الاقتصاد لا توجد حركات بريئة. حين تختار ستيلانتيس أن تزرع أول مصنع لعلامة أوبل خارج أوروبا في الجزائر، فالأمر يتجاوز قرارا صناعيا عاديا؛ إنه إعلان هادئ عن تحوّل في موازين الجذب داخل شمال إفريقيا.لكن، وقبل أن يقرأ الحدث بمنظار المنافسة الصفرية، يجب أن نضعه في سياقه الأوسع: المنطقة كلها تدخل مرحلة “إعادة تشكيل صناعي”، حيث لم تعد الدول تتسابق فقط على الاستثمارات، بل على الأدوار في سلاسل القيمة العالمية.

في الموروث المغربي يقال: “النواض بكري بالذهب مشري”، أي أن الزمن لا ينتظر المترددين. والجزائر، التي ظلت لسنوات تعتمد بشكل كبير على الريع الطاقي، تبدو اليوم وكأنها تعيد ترتيب أوراقها الصناعية.استقطاب مصنع ثان بعد تجربة فيات في وهران ليس مجرد توسّع، بل محاولة لبناء قاعدة تصنيع حقيقية. الرسالة واضحة: الجزائر تريد أن تتحول من سوق استهلاكية إلى منصة إنتاج. لكن، وهنا يكمن العمق الجيو-اقتصادي، فإن هذا التحول لا يحدث في فراغ، بل في بيئة إقليمية يقودها المغرب منذ سنوات بخطى ثابتة.

المغرب لم يدخل لعبة الصناعة متأخرا، بل بنى نموذجا قائما على التكامل، لا فقط على الاستقطاب. من طنجة إلى القنيطرة، تشكّلت منظومة صناعية متكاملة، جذبت عمالقة مثل رونو وستيلانتيس نفسها. هنا يحضر مثل مغربي آخر: “اللي زرع يحصد”. فما يجنيه المغرب اليوم ليس صدفة، بل نتيجة رؤية طويلة الأمد قامت على: وبالتالي، فإن دخول الجزائر إلى هذا المضمار لا يفهم كتهديد مباشر، بل كـ”توسيع للحلبة”. التحليل السطحي قد يرى في مصنع أوبل بالجزائر منافسة مباشرة للمغرب، لكن القراءة الأعمق تكشف سيناريو أكثر تعقيدا

– الشركات العالمية لا تبحث عن بلد واحد، بل عن شبكة إنتاج إقليمية

– تنويع مواقع التصنيع يقلل المخاطر الجيوسياسية

القرب الجغرافي بين المغرب والجزائر يمكن -نظريا- أن يصنع قطبا صناعيا مغاربيا قويا, لكن الواقع السياسي الحالي يجعل هذا التكامل معطلا، وهنا يبرز التحدي الحقيقي. المغرب اليوم ليس مطالبا بأن يكون الأفضل فقط، بل أن يكون الأذكى. فكما يقول المغاربة: “ماشي كل ما يلمع ذهب”. – نجاح الجزائر في جذب استثمارات لا يعني تراجع المغرب، بل يفرض عليه: بعبارة أخرى: الانتقال من “مصنع” إلى “مركز ابتكار”. اختيار ستيلانتيس التوسع في الجزائر، مع الحفاظ على استثماراتها القوية في المغرب، يعكس استراتيجية واضحة: عدم وضع كل البيض في سلة واحدة. وهنا يظهر مثل مغربي بليغ: “دير عقلك فـ راسك تعرف خلاصك”. الشركات تفكر بهذا المنطق: توزيع المخاطر، وتعظيم الفرص.

ما يحدث اليوم ليس سباقا بين المغرب والجزائر بقدر ما هو صحوة إقليمية متأخرة. وإذا كان الجار قد استيقظ، فالحكمة المغربية تقول: “اللي فاق بك، العب به”…أي اجعل من تقدّم الآخر حافزا لا تهديدا. المغرب يملك السبق، والجزائر بدأت تكتسب الزخم. وبين السبق والزخم، تتشكل معادلة جديدة في شمال إفريقيا. السؤال الحقيقي ليس: من سيفوز؟
بل: هل ستبقى المنطقة مجزأة، أم تتحول يوما إلى قوة صناعية موحدة تضاهي الكبار؟ إلى ذلك الحين، يبقى الذكاء الاستراتيجي هو الفيصل… لا الضجيج.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “إيطاليا: صحوة الجار… لا تعني غفلة الدار

  1. لما وجه السؤال على رأس الحار بصدد صناعة السيارات في المغرب ، كان جوابه: فقط إنهم “ينفخون العجلات” . ها هو اليوم يدخل إلى عالم ” نفيخ الروايد” .
    نتمنى أن تتجاوز مثل هذه العقلية السياسية من أجل بناء مغرب اربي متكامل و قوي لمواجهة المخاطر….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *