بقلم د. زكية لعروسي
في خرائط القوة، لا تقاس الأقاليم بمساحتها بل بوزنها في ميزان الطاقة والسياسة. والأحواز -ذلك الإقليم الواقع على الضفة الشرقية لشط العرب، و الغني بالنفط والغاز – تبدو اليوم أكثر من مجرد ملف داخلي إيراني؛ إنها عقدة جيواستراتيجية تتقاطع عندها أسئلة الهوية، وأمن الطاقة، واستقرار الإقليم. بين مركز إيرانيّ يسعى إلى تثبيت تماسكه تحت ضغط العقوبات والتحولات الدولية، وأطراف قومية ترى نفسها خارج معادلة الاعتراف، تعود الأحواز إلى واجهة النقاش بوصفها “الجرح المفتوح” في خاصرة الدولة الإيرانية.
في خضمّ هذه التحوّلات المتسارعة التي تعصف بالإقليم، حيث تتقاطع المصالح في مشهد تحكمه اعتبارات الجيوسياسية وموازين القوى، عقدنا حوارا معمّقا مع صلاح أبو شريف الأحوازي أمين عام الجبهة الديمقراطية الشعبية الأحوازية ، رئيس جبهة الشعوب غير الفارسية المطالبة بحق تقرير المصير “إيران ” ، تناولنا خلاله جملة من المحاور المفصلية التي ترسم ملامح المرحلة الراهنة وتستشرف آفاقها المقبلة. وقد تطرّق الحوار إلى طبيعة التحوّلات الجارية، وانعكاساتها على التوازنات الإقليمية والدولية، كما ناقش رهانات الفاعلين السياسيين في ظل إعادة تشكيل التحالفات وتبدّل أولويات القوى الكبرى. ولم يغفل النقاش البعد الداخلي، حيث جرى التوقّف عند تأثير هذه المتغيرات على الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وحدود القدرة على التكيّف مع إيقاع عالم لا يهدأ. في هذا السياق المركّب، قدّم السيد صلاح أبو شريف الأحوازي قراءة تحليلية تستند إلى فهم عميق للسياقات التاريخية ومعطيات اللحظة، مبرزا التحديات التي تواجه صانع القرار، والفرص الممكنة في حال أُحسن توظيف عناصر القوة الوطنية ضمن رؤية استراتيجية واضحة. وفي ما يلي خلاصة هذا الحوار، كما جاءت في أبرز محاوره وأفكاره.
1)- حول النفط… قدر سياسي أم نقطة هشاشة؟
سؤال:
تتمركز نسبة كبيرة من الثروة النفطية والغازية الإيرانية في الأحواز. هل يشكّل ذلك نقطة ضغط مستقبلية على طهران؟
*إجابة صلاح ابو شريف الاحوازي امين عام الجبهة الديمقراطية الشعبية الاحوازية:
الأحواز ليست هامشا اقتصاديا في إيران، بل تمثل أحد أعمدة بنيتها الطاقوية. النفط هنا ليس مورداً فحسب، بل هو جوهر المعادلة الاستراتيجية. ومنذ عام 1925، يعتبر شعبنا أن هذه الثروات استُخرجت من أرضه دون أن يكون شريكاً في القرار أو السيادة. تمركز الطاقة في الأحواز يمنح الإقليم ثقلاً جيوسياسيا واضحا. وأي نظام سياسي في طهران، مهما كان شكله، لن يتمكن من تحقيق استقرار طويل الأمد دون معالجة هذا الخلل البنيوي القائم على إنكار حق تقرير المصير. الاستقرار لا يبنى فوق طبقات من الاحتقان الصامت.
سؤال:
كيف تعيد الحركة الأحوازية تعريف نفسها كفاعل جيوسياسي مؤثر؟
*إجابة صلاح ابو شريف الاحوازي
الحركة الوطنية الأحوازية ليست حالة احتجاج عابرة، بل حركة تحرر ممتدة منذ قرن. نحن نمثل شعبا له أرض وهوية وتاريخ. اليوم، نتحرك ضمن رؤية مؤسسية واضحة، ونسعى إلى تحويل القضية من ملف حقوقي محلي إلى قضية استراتيجية ترتبط بأمن الطاقة والاستقرار الإقليمي. لقد نجحنا في نقل صوت الأحواز إلى المحافل الدولية، وأصبحت قضيتنا حاضرة في المؤسسات الحقوقية ومراكز القرار السياسي. موقع الأحواز وثرواتها يجعلونها عنصراً مؤثراً في معادلة الأمن الطاقوي العالمي، وهذا يمنح قضيتنا بعدا يتجاوز الحدود المحلية.
سؤال
هل لديكم تصور مؤسسي لإدارة الأحواز في حال حدوث تحولات سياسية؟
* جواب صلاح أبو شريف الأحوازي
نعم، الحركة الوطنية الأحوازية تنطلق من رؤية واضحة تقوم على استعادة السيادة الوطنية وبناء مؤسسات وطنية حديثة تمثل إرادة الشعب الأحوازي. هذه الرؤية تشمل:
– إدارة وطنية مستقلة للموارد الطبيعية، بما يضمن استخدامها لخدمة شعب الأحواز وتنميته.
– بناء مؤسسات أمنية وطنية لحماية الأرض والشعب وضمان الاستقرار.
– إقامة نظام سياسي يعبر عن الإرادة الحرة للشعب الأحوازي، قائم على العدالة وسيادة القانون واحترام القانون الدولي الإنساني و الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، ونبذ التمييز و العنف و التطرف بكل أشكاله ، إن هدف الحركة الأحوازية ليس خلق فراغ، بل استعادة دولة طبيعية تحترم شعبها وتكون جزءا مسؤولا من المجتمع الدولي.
2) – حول التعدد القومي… أزمة بنيوية داخل إيران؟
سؤال:
هل القضية الأحوازية جزء من أزمة أوسع تتعلق بالتعدد القومي داخل إيران؟
*إجابة صلاح ابو شريف الاحوازي
بالتأكيد. إيران دولة متعددة القوميات، لكن بنيتها السياسية قامت على مركزية قومية صارمة. الشعوب غير الفارسية -من الأكراد والبلوش إلى الأذريين والتركمان – تشترك في شعور التهميش. القضية الأحوازية ليست استثناءً، بل نموذجا مكثفاً لأزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة نفسها. من دون إعادة تعريف العلاقة بين المركز والأطراف على أساس الاعتراف والحقوق، سيظل الاستقرار هشا.
سؤال
هل يوجد تنسيق استراتيجي مع الشعوب غير الفارسية؟
* جواب صلاح أبو شريف الأحوازي
نعم، الحركة الوطنية الأحوازية ترتبط بتحالفات استراتيجية مع ممثلي الشعوب غير الفارسية، ضمن رؤية مشتركة تقوم على إنهاء سياسات الهيمنة واستعادة الحقوق الوطنية. هذا التنسيق يعكس وعياً مشتركاً بأن مستقبل الشعوب غير الفارسية لا يمكن أن يبنى على استمرار الظلم و الاستبداد و الاحتلال ، بل على أساس العدالة والاعتراف بحقوق جميع الشعوب وفقا للقانون الدولي كيف نضمن بناء الاستقرار ازدهار دائم.
سؤال:
هل ترون الفيدرالية حلا ممكنا، أم أن تقرير المصير هو الخيار الوحيد؟
*إجابة صلاح ابو شريف الاحوازي
الشعب الأحوازي يعتبر أن حق تقرير المصير حق أصيل وغير قابل للتصرف. أي صيغة سياسية لا تنطلق من هذا الاعتراف لن تكون قادرة على إنتاج استقرار حقيقي. الفيدرالية قد تكون إطاراً نظرياً، لكن جوهر المسألة هو الإرادة الحرة للشعب، عبر استفتاء نزيه وتحت إشراف دولي.
سؤال
هل تشاركون في الثورة لإسقاط النظام الحالي؟ وهل أنتم ضمن أي تحالف من التيارات الفارسية؟
* جواب صلاح أبو شريف الأحوازي
الشعب العربي الأحوازي هو في طليعة الشعوب التي قاومت الاحتلال والاستبداد الإيراني على مدى قرن كامل. فمنذ احتلال الأحواز عام 1925، لم يتوقف شعبنا عن النضال الوطني من أجل استعادة سيادته وحقوقه المشروعة. وقد كان للأحوازيين دور فاعل في مقاومة نظام الشاه، وشاركوا في الحراك الذي أدى إلى سقوط النظام البهلوي عام 1979، على أمل استعادة حقوقهم الوطنية. لكن النظام الإيراني الجديد، ومنذ الأيام الأولى لقيامه، واجه الشعب الأحوازي بالقمع الدموي، وكان أبرز ذلك مجزرة المحمرة عام 1979، التي استشهد فيها المئات من أبناء شعبنا، تلتها موجات متواصلة من القمع والإعدامات والاعتقالات والانتفاضات الشعبية التي تؤكد استمرار الرفض الوطني للاحتلال. كما كان للشعب الأحوازي حضور فاعل في الانتفاضات الأخيرة، بما فيها الاحتجاجات التي شهدتها مختلف مناطق إيران في نهاية عام 2025 وبدايات عام 2026، حيث شارك أبناء الأحواز بقوة، وقدموا الشهداء والمعتقلين، تأكيداً على تمسكهم بخيار التحرر وإنهاء الاحتلال والاستبداد. أما فيما يتعلق بالتحالفات، فإن الحركة الوطنية الأحوازية تنطلق من تجربة تاريخية طويلة أثبتت أن معظم التيارات والتنظيمات الفارسية، بمختلف توجهاتها، لم تعترف بالحقوق الوطنية للشعب الأحوازي، ولا بحقه في تقرير مصيره. ولهذا، فإن الحركة الأحوازية تحافظ على استقلالية قرارها الوطني، ولا تنضوي ضمن أي مشروع سياسي لا يعترف صراحة بحق الشعب الأحوازي في تقرير مصيره. وفي الوقت ذاته، تؤكد الحركة الوطنية الأحوازية أنها مستعدة للمشاركة في أي عملية سياسية تهدف إلى إنهاء النظام الإيراني القائم، شريطة أن تكون هذه العملية تحت إشراف وضمانات دولية، وأن تضمن مشاركة ممثلي الشعب الأحوازي كشريك أساسي في إدارة المرحلة الانتقالية، وصولاً إلى تنظيم استفتاء حر ونزيه في الأحواز، بإشراف دولي، يمكّن الشعب الأحوازي من ممارسة حقه المشروع في تقرير مصيره وتحديد مستقبله السياسي بحرية كاملة.
سؤال
من هم حلفاؤكم الرئيسيون في عموم جغرافية إيران السياسية، وفي الإقليم والعالم؟
* جواب صلاح أبو شريف الأحوازي
الحركة الوطنية الأحوازية تنطلق من مبدأ أساسي، وهو أن نضال الشعب العربي الأحوازي هو جزء من نضال أوسع للشعوب الواقعة تحت الاحتلال والهيمنة داخل ما يسمى بـالجغرافيا السياسية لإيران. ومن هذا المنطلق، فإن حلفائنا الطبيعيين والرئيسيين هم الشعوب غير الفارسية التي تشترك معنا في المعاناة ذاتها، وفي الهدف المشترك المتمثل في إنهاء الهيمنة واستعادة الحقوق الوطنية. على مستوى الداخل، ترتبط الحركة الوطنية الأحوازية بعلاقات تنسيق وتعاون استراتيجي مع ممثلي الشعوب غير الفارسية، وفي مقدمتها الشعب التركي في ازربايجان الجنوبية و الشعب الكردي، والشعب البلوشي، والشعب، والشعب التركماني و غيرهم ، إضافة إلى سائر القوى التي تؤمن بحق هذه الشعوب في تقرير مصيرها. هذا التعاون يقوم على احترام الخصوصية الوطنية لكل شعب، والعمل المشترك لإنهاء سياسات الإقصاء والاحتلال. وعلى المستوى الإقليمي، فإن الشعب الأحوازي هو جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، ويرى في عمقه العربي والإقليمي سندا طبيعيا لنضاله المشروع. كما أن استقرار الأحواز يمثل جزءا مهما من استقرار المنطقة، نظراً لموقعها الاستراتيجي ودورها الحيوي في أمن الطاقة والممرات المائية الدولية. أما على المستوى الدولي، فإن الحركة الوطنية الأحوازية تعمل على بناء علاقات مع الدول والمؤسسات الإقليمية و الدولية المتضررة من سياسات إيران الإرهابية المزعزعة للأمن و الاستقرار ، ومع المنظمات الحقوقية والإنسانية، ومع القوى السياسية التي تؤمن بمبادئ القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها. هذه العلاقات تهدف إلى تعزيز الاعتراف الدولي بالقضية الأحوازية، وضمان أن يكون الشعب الأحوازي ممثلاً في أي معادلة سياسية تتعلق بمستقبل المنطقة. إن الحركة الوطنية الأحوازية تعتمد أولاً وأساساً على إرادة شعبها ونضاله المشروع، لكنها في الوقت ذاته ترى أن التعاون مع القوى الدولية والإقليمية التي تحترم القانون الدولي وحقوق الشعوب هو عنصر مهم في تحقيق العدالة وإنهاء الاحتلال.
3) حول تدويل القضية الأحوازية
سؤال:
كيف تعملون على تحويل القضية الأحوازية إلى قضية دولية استراتيجية؟
* جواب صلاح أبو شريف الأحوازي
الحركة الأحوازية نجحت في نقل قضيتها إلى المستوى الدولي، من خلال العمل السياسي والدبلوماسي والحقوقي، والمشاركة في المؤسسات الدولية، والتواصل مع مراكز صنع القرار. لقد أصبحت القضية الأحوازية جزءاً من النقاش الدولي حول حقوق الشعوب، وأمن الطاقة، والاستقرار الإقليمي.
سؤال:
ما هي الخطوات الأساسية في المرحلة القادمة؟
* جواب صلاح أبو شريف الأحوازي
– تعزيز الحضور السياسي والدبلوماسي للأحواز دوليا.
– بناء مؤسسات وطنية تمثل الشعب الأحوازي.
– توسيع التحالفات مع القوى الدولية والشعوب التي تدعم حق تقرير المصير.
سؤال:
هل تراهنون على التغيير الداخلي أم الدولي؟
* جواب صلاح أبو شريف الأحوازي
الحركة الأحوازية تعتمد على نضال شعبها أولاً، بالتوازي مع العمل الدولي لتعزيز الاعتراف بحقوقه. التغيير الحقيقي يبدأ من إرادة الشعب، لكنه يكتسب قوته من الدعم الدولي القائم على القانون الدولي وحقوق الشعوب.
4) – في قلب التحولات: ما بعد النظام الحالي
سؤال:
هل أنتم جزء من تحالفات مع قوى فارسية لإسقاط النظام الحالي؟
*إجابة صلاح ابو شريف الاحوازي
تجربتنا التاريخية أظهرت أن معظم التيارات الفارسية، بمختلف توجهاتها، لم تعترف صراحة بحق شعبنا في تقرير مصيره. لذلك نحافظ على استقلالية قرارنا الوطني. نحن مستعدون للمشاركة في أي عملية انتقال سياسي تضمن إشرافا دوليا وتمثيلا حقيقيا للشعب الأحوازي، وصولا إلى استفتاء حر يحدد مستقبل الإقليم.
5) – الأحواز وأمن الطاقة العالمي
سؤال:
كيف تضمنون أن تكون الأحواز جزءا من الاستقرار وليس الفوضى؟
* جواب صلاح أبو شريف الأحوازي
الأحواز كانت عبر تاريخها أرض استقرار وتواصل حضاري. هدف الحركة الوطنية الأحوازية هو استعادة دولة مسؤولة تحترم القانون الدولي الدولي الإنساني و الإعلان العالمي لحقوق و تنبذ العنف و التطرف و ترفع مكانة الإنسان .وتسهم في استقرار المنطقة والأمن الاقليمي والدولي وتستثمر قراراتها لخدمة التنمية البشرية و الاقتصادية و الازدهار. الشعب الأحوازي يسعى للحرية والسيادة، وليس للفوضى.
سؤال:
ما الضمانات المتعلقة بأمن الطاقة؟
* جواب صلاح أبو شريف الأحوازي
الشعب الأحوازي هو صاحب هذه الأرض وثرواتها، وهو الأقدر على إدارتها بشكل مسؤول. دولة أحوازية حرة ستكون شريكاً موثوقا في ضمان استقرار الطاقة والتعاون الدولي. الأحواز ليست مجرد إقليم، بل وطن عربي محتل وشعب حي يناضل منذ قرن من أجل استعادة سيادته.
ويضيف السيد صلاح ابو شريف الأحوازي والأمين العام للحركة الوطنية الأحوازية:
اليوم ليست فقط صوت شعبها، بل هي فاعل أساسي في معادلة التغيير داخل المنطقة، وتحظى بحضور سياسي وحقوقي متنامٍ على المستوى الدولي. إن استقرار المنطقة لن يتحقق عبر استمرار الاحتلال، بل عبر الاعتراف بحق الشعب العربي الأحوازي في تقرير مصيره واستعادة دولته، ليكون شريكا حرا ومسؤولا في بناء مستقبل قائم على العدالة والاستقرار. و احترام القانون الدولي و الإنساني و الإعلان العالمي لحقوق الإنسان .
على الوجيز…ما تكشفه هذه المقابلة أن الأحواز لم تعد مجرد ملف قومي داخلي، بل أصبحت جزءا من معادلة أوسع:
– معادلة أمن الطاقة العالمي.
– معادلة استقرار الخليج والممرات المائية.
– ومعادلة إعادة تشكيل الدولة الإيرانية نفسها.
في زمن تتغير فيه خرائط النفوذ، قد لا تكون الأسئلة المطروحة حول الأحواز شأنا محليا فحسب، بل مؤشرا مبكرا على تصدعات أعمق في بنية الإقليم. الأحواز، كما يراها رئيس حركتها، السيد صلاح ابو شريف الاحوازي ليست احتجاجا على الهامش، بل مشروعا سياسيا ينتظر لحظة التحول. والسؤال الذي يبقى معلقا فوق الخليج: هل يكون مستقبل إيران مرهونا بقدرتها على استيعاب تنوعها، أم أن خرائط ما بعد المركزية بدأت ترسم بالفعل؟

Assurément,la minorité ethnique Arabe des Ahwaz peut changer la donne. N’est ce pas le moment d’écouter leurs revendications sous silence depuis un siècle.