بقلم زكية لعروسي
في خضم تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، يلوح شبح أزمة نفطية جديدة قد تعيد رسم ملامح أسواق الطاقة العالمية، وتضع الدول الكبرى أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إدارة المخاطر الاستراتيجية. الارتفاع الحاد لأسعار النفط، الذي تجاوز مؤخرا 115 دولارا للبرميل، لم يكن مجرد انعكاس مباشر للأحداث العسكرية في إيران، بل هو مرآة دقيقة للعلاقات المعقدة بين السياسة والطاقة، والتشابك العميق بين الأمن القومي والاقتصاد العالمي. تملك فرنسا، كغيرها من الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية، مخزونا استراتيجيا يغطي ما يزيد عن 108 أيام من صافي وارداتها النفطية، موزعا على أكثر من مئة منشأة، حيث يحتل المجمع الجوفي «جيوسيل» في مانوسك موقعا محوريا بنصف هذه المخزونات. هذا النظام المعقد، الذي تشرف عليه وكالة Sagess، ليس مجرد مخزون احتياطي، بل هو أداة قوة سياسية واقتصادية تمكن الدولة من التدخل على نحو مدروس في السوق لتلطيف صدمات الأسعار أو حماية المصالح الوطنية في أوقات الأزمات.
التحليل الجيوسياسي يكشف أن هذه الاحتياطيات ليست مجرد أرقام على الورق؛ فهي مرتهنة بموازين القوى الدولية، وبمدى قدرة أوروبا على اتخاذ قرارات جماعية. إذ يشدد الخبراء على أن أي تحرك فردي من قبل فرنسا وحدها سيكون ذا تأثير محدود على الأسواق، في ظل استمرار العوامل الإقليمية، مثل إغلاق مضيق هرمز الذي يعيق نحو 20٪ من صادرات النفط العالمية. أما القرار الفعلي باستخدام المخزون الاستراتيجي فيتطلب إجماعا على مستوى وكالة الطاقة الدولية أو الاتحاد الأوروبي، ما يضع باريس أمام تحدي دبلوماسي دقيق، يحكمه التوازن بين الحاجة الداخلية لتهدئة الأسعار، والاعتبارات الجيوسياسية الكبرى. الأمر لا يقتصر على البعد الاقتصادي فقط؛ فالسياسة المحلية تلعب دورا بارزا. الارتفاع في أسعار الوقود، الذي بدأ يقترب من عتبة 2 يورو للتر، يكتسب أهمية خاصة في ضوء الانتخابات البلدية المرتقبة منتصف مارس، ما يجعل الحكومة أمام ضغوط مزدوجة: استقرار الأسواق وحماية مكتسبات المواطن، مع الحفاظ على موقف استراتيجي متين في المحافل الدولية.
من منظور تاريخي، سبق أن تحركت وكالة الطاقة الدولية في خمس مناسبات كبرى منذ إنشائها عام 1974، بدءا من حرب الخليج عام 1991، مرورا بالكوارث الطبيعية في خليج المكسيك، وصولا إلى الأزمات الليبية والأوكرانية، لتثبت أن المخزونات الاستراتيجية ليست مجرد أرقام، بل أدوات قوة فعالة تستطيع إحداث فروقات ملموسة على أسواق النفط العالمية، إذا ما أحسن استغلالها ضمن إطار دولي متفق عليه. اليوم، وبينما تتعاظم المخاطر الإقليمية، تبرز فرنسا كأحد اللاعبين الرئيسيين القادرين على التأثير، ليس عبر القوة العسكرية، بل عبر قوة المخزون الاستراتيجي والسياسة الذكية المتوازنة بين الأسواق والسياسة. في هذا السياق، يبدو أن ما يحدث في إيران ليس مجرد أزمة نفطية، بل تجربة حية في فنون إدارة المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية، حيث كل قرار، سواء في باريس أو في أي عاصمة أوروبية، له انعكاسات عميقة على استقرار أسواق الطاقة العالمية، وعلى التوازنات الدقيقة بين السياسة الداخلية والاعتبارات الدولية.
