بقلم رضوان البلدي , صحافي وإعلامي – المغرب
أعرف جيدا أن الحرب لن تنتهي أبدا مادامت الأرض فينا تدورعلى نفسها، غير أنها في كل الأحوال تبقى خيارا سيئا لما تتسبب فيه من مآس، لكنها تصير أسوأ عندما تلقي بظلالها على البعيدين عن بؤرتها، فتصيبهم بحممها وتحول حياتهم من بحبوحة آمنة مطمئنة إلى معاناة قاسية ومتعبة. الخطير في التوترات الجيوسياسية الدائرة رحاها بالشرق الأوسط أنها تجري في منطقة تختزن بواطنها احتياطات كبيرة ومهمة من النفط والغاز، وبالتالي فكل يوم حرب إضافي يزيد من تفاقم معاناة الناس، ليس في دول المنطقة فقط، بل في جل دول المعمور، والمغرب ليس بمنأى عن ذلك، نظرا للتأثير الأتوماتيكي لأسعار المواد الطاقية على أسعار النقل والسلع والمواد الغذائية والخدمات، إضافة إلى أساسيات أخرى، ضرورية لعيش، على الأقل، يحفظ ماء الوجه.
وإذا كانت لكل حرب فاتورة، فإن الطبقات التي تعيش وضعا هشا ستؤدي النصيب الأكبر من هذه الفاتورة، حيث ستكتوي، لا محالة بنار الأسعار الملتهبة، التي يذكيها التضخم المتزايد يوما بعد يوم، وبالتالي فتطمينات وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة بأن الوضعية الراهنة تبقى مستقرة بفضل الإجراءات الاستباقية المتخذة وتأكيدات رئاسة الحكومة على أنه لا زيادة في ثمن الغاز والكهرباء تبقى مؤقتة ومبنية على سيناريو فيه الكثير من التفاؤل، في حين أن التطورات اليومية للحرب الجارية في الشرق الأوسط لا تبشر بخير، وتنذر بارتفاعات صاروخية، في حال تعقد الوضع أكثر.
الكثيرون يحبسون أنفاسهم ويتمنون نهاية الحرب، لكن لا صوت يعلو على هدير الطائرات والصواريخ في الأفق، والمعركة تبدو أنها ما تزال متواصلة، ومعها يتزايد التهديد للقدرة الشرائية، التي ازدادت هشاشة في مجاراة واقع قاس تفرضه الحرب يوما بعد يوم، نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد، وما تنتج عنه من ارتفاعات متتالية في الأسعار، وهو ما يزيد من الضغط على مداخيل الأسر المنهكة أصلا، خاصة في الدول النامية.
والمغرب، الذي لم يتعافى اقتصاده بشكل كامل، شأنه في ذلك شأن بقية العالم، من تداعيات ما بعد “كورونا”، بات يواجه مرة أخرى وضعية مشابهة، انطلقت مؤشراتها بزيادات متتالية في أسعار المحروقات، ولارتباط اقتصاده بالاقتصاد العالمي، فمن الطبيعي أن تتدحرج تبعات الحرب حتى تلامس القدرة الشرائية للناس، التي تعاني أصلا من الهشاشة، وهو ما خلق للناس حالة من القلق والترقب. ومن جهة أخرى، من المرتقب أن يعمق متاعب الحكومة، التي ستجد نفسها مضطرة للبحث عن مصادر تمويل جديدة لمواجهة هذه الوضعية الطارئة.
وفي خطوة استباقية، سارعت الحكومة إلى إقرار دعم استثنائي لفائدة مهنيي قطاع النقل، للتخفيف من حدة تأثير ارتفاع أسعار المحروقات، والحفاظ على استقرار أسعار خدمات النقل والحد من انتقال أثر هذه الزيادات إلى أسعار السلع والخدمات، خاصة في ظل ارتباط قطاع النقل بمختلف سلاسل الإنتاج والتوزيع، الأمر الذي يطرح تحديات متزايدة على الاقتصاد الوطني، سواء من حيث ارتفاع كلفة الواردات الطاقية أو الضغط على الميزان التجاري، إلى جانب الانعكاسات المباشرة لهذه الوضعية على جيوب الفقراء، الذين لا سبيل لهم سوى الدخول في سياسة تقشفية لاستنزاف ما تبقى من الجسد.
آمل أن يكون تخميني خاطئا، فحسب معرفتي المتواضعة، فكل المعطيات الحالية تشير إلى أن الاقتصاد العالمي دخل مرحلة حساسة، حيث تتقاطع عدة عوامل ضاغطة في وقت واحد، تشمل صدمة الطاقة، وارتفاع التضخم، وتشديد الأوضاع المالية، واضطراب سلاسل الإمداد، وهو مزيج يعيد إلى الأذهان أزمات اقتصادية سابقة، وإن كان السياق مختلفا في بعض جوانبه.وعلى الوجيز، أتمنى صادقا أن تقف طبول هذه الحرب، لأن الذين يقودونها يعرفون بعضهم البعض جيدا، ويعرفون ما يريدون، في حين أن ضحاياها، أبرياء لا يعرفون بعضهم البعض، وربما لا يعرفون حتى لماذا يتقاتلون، إنها لعبة الكبار التي يؤدي ثمنها الصغار.
📲 Partager sur WhatsApp