بقلم د. زكية لعروسي
لم تكن لوحة “الأمير النائم” مجرّد عمل فني عالق في محترف الرسام محمد عشاتي، بل كانت قدرًا مؤجّلا ، زمنا متجمّدا، ونبضا ينتظر أن يستكمل في لحظة لا يختارها الفنان بل يفرضها الغيب. ست سنوات واللوحة واقفة بين الجدار والبرد، بين الظلّ والانتظار، كما لو أنّها تشارك أميرها صمته الطويل. ست سنوات وهي تحمل اسمه بصيغة السؤال: هل النوم أبد مؤقت؟ أم أنّه جسر خفيّ بين عالمين؟ حين وصل خبر رحيل الأمير الوليد بن خالد بن طلال آل سعود Al-Walid ben Khalid ben Talal Al Saud، لم يكن الحدث نهاية، بل كان اكتمال دائرة. في تلك اللحظة، لم يمت الأمير داخل لوحة دخلت في غيبوبة… بل خرج منها.
هناك أعمال ترسم، وأخرى تكتب، وثالثة تولد من رحم الانتظار. الأمير النائم” لم يكن تصويرا لجسد في سرير أبيض، بل كان تأمّلا في المسافة بين الأنفاس. الأزرق العميق في خلفية اللوحة لم يكن لونا، بل محيطا بلا شاطئ. الأحمر الملكي لم يكن مجرّد نسب أو سلالة، بل ذاكرة دم ملكيّ يرفض أن يبهت. والذهب لم يكن زخرفًا، بل أثرا من نور موروث. أما القرص الأبيض في يمين اللوحة… فقد تغيّر معناه يوم الرحيل. لم يعد ضوء مصباح مستشفى باهت، بل صار بوابةً دائرية نحو اتساع لا يُحدّ. شمسا بلا احتراق. قمرا بلا ليل. بين الفن والموت… من يرسم من؟
حين بدأ محمد عشاتي العمل على هذه اللوحة، كان مدفوعا بقصة إنسانية: أمّ تهمس لابنها، وأب يفاوض القدر بالصبر. لكنه لم يكن يعلم أنّ اللوحة نفسها ستدخل في سباتها، كما لو أنّها تعاهدت مع الأمير على الانتظار المشترك. هنا يتجاوز العمل الفني حدود التوثيق. اللوحة لا تسرد مأساة، بل تعيد صياغتها في مستوى ميتافيزيقي. كأن اللون الأزرق صار غيبوبة كونية، وكأن الخطوط المتداخلة صارت متاهة أحلام عبرها الروح. الموت، في هذا السياق، ليس قاطعا بل محرّرا. ليس سقوطا بل عبورا.
الأمير خالد بن طلال: الإسم كظلّ ممتد حين يذكر اسم الأمير خالد بن طلال، لا يستحضر فقط نسب ملكي، بل تستحضر حكاية صبر عائليّ طويل، امتدّ عشرين عاما كصلاة مفتوحة. في اللوحة، لا نرى وجها واضحا. لأن الوجه ليس هو القضية. القضية هي الحالة: حالة إنسان معلّق بين صوتين… نداء الأرض، وهمس السماء. وهنا تتحول اللوحة إلى استعارة كبرى: الجسد في الأسفل، والروح تجرّب احتمالات الضوء. كل شيء فيها يتجاوز الواقعي. الفراغات ليست فراغا، بل صمتا كثيفا. الطبقات اللونية ليست صباغا، بل طبقات زمن. كأنّ الفنان لم يرسم أميرا نائما، بل رسم الزمن وهو يتباطأ. رسم الدقائق وهي تذوب في الانتظار. رسم الغرفة وهي تتحوّل إلى كون مصغّر. وحين جاء الموت، لم يطفئ اللوحة. بل أضاءها من الداخل.
إتمام اللوحة سنة 2026، بعد رحيل الأمير، ليس صدفة زمنية. إنه فعل تحرّر. تحرّر من فكرة “الانتظار”، وتحوّل إلى فكرة “الاكتمال”. الموت هنا لا يهم كنقطة نهاية، بل كتحويل للطاقة: من جسد محدود، إلى رمز مفتوح. “الأمير النائم” لم يعد نائما. لقد استيقظ… لكن في فضاء آخر. واللوحة لم تعد تحرس سريرا، بل تحرس معنى. الفن كاستمرارية في عالم زائل في عالم يمرّ بسرعة، حيث الأخبار تستهلك وتمحى، تمنحنا اللوحة شيئا مختلفا: زمنا يمكن تأمّله. الفنان لم يوثّق حادثا. بل حوّل قصة إنسانية إلى صلاة لونية. إلى محراب أزرق تتقاطع فيه الذاكرة والغياب. وهكذا، لا يبقى الأمير في غرفة بيضاء، بل في مساحة أوسع من القماش. مساحة لا يحدّها إطار 130 × 100 سم، بل يحدّها التأويل. حين يغدو اللون عزاء“Le Prince Dormant” ليست لوحة عن الغيبوبة. هي لوحة عن الحبّ الذي قاوم الغيبوبة. وعن الموت الذي جاء أخيرا لا كقاطع بل كفاتح لباب. الأمير لم يعد في سرير بارد. صار في زرقة لا تنتهي. وصار القرص الأبيض، الذي كان ضوءا خافتا، شمسا لا تنطفئ. الفن، حين يلامس الحافة بين الحياة والموت، لا يشرح… بل يكشف. ولا يرثي… بل يحرّر. وهكذا، يخرج الأمير من صمته، وتبقى اللوحة…يقظة

تحليل لعمل فني، في غاية التأمل. ما يفسر حاجة الفن الى من ” يحرر” ما لا يقال، بحيث انه يوظف لغة الاظهار، بوصفها لغة الوميض، أي إلى الفكر التأملي، ليحرر مسارا لهذا الذي يهمس خلف ضوء اللون، اللغة التي يتكلم بها ” أبناء النور” مع العالم….