بقلم زكية لعروسي
ليست كل الدبلوماسية مما يقال، ولا كل السياسة مما يعلن. ثمة حركات تقع خارج الضوء، لكنها تصنع أثرها. ثمة لغات لا تمر عبر الميكروفونات، ومع ذلك تصل. في هذه المنطقة الرمادية، حيث تتراجع الصيغة ويعلو المعنى، تولد الدبلوماسية الموازية الروحية، لا كبديل عن الدولة، بل كظلها العميق، وكذاكرتها التي لم تنس. الدبلوماسية الروحية لا تعرف العجلة، لانها إبنة الزمن الطويل. لا تدخل من باب الحدث، بل من باب الأثر. لا تشتغل على التوازنات، بل على الانسجام. هي ليست تدبيرا للازمات، بل تحصينا للوجدان قبل ان تقع الازمة. وحين تنفلت اللحظة، تكون قد سبقتها بخطوات من ذكر، ومن رموز، ومن عهود لم تدوّن في الاتفاقيات، لكنها محفوظة في الصدور.
ضمن هذا الأفق، لا يعود إستقبال صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله لرئيس الوزراء السنغالي عثمان سونكو مجرد ممارسة سيادية، بل أشبه بنداء قديم يستجاب له في الزمن الحاضر. لقاء يبدو حديثا في شكله، لكنه قديم في جوهره. كأن التاريخ، وقد ضاق بدورانه الصامت، قرر ان يظهر مرة اخرى في هيئة بروتوكول. فالمغرب، في الذاكرة الروحية لغرب إفريقيا، ليس بلدا فقط، بل مقام. فاس ليست مدينة فحسب، بل مرجع. والملك، في هذا السياق، ليس فاعلا سياسيا وحسب، بل وارثا لوظيفة رمزية ظل المغرب يؤديها عبر قرون: وظيفة الجمع، والوساطة، وحراسة المعنى في زمن الفتن. وتأتي هذه اللحظة في سياق إلتباس، حيث يختلط غبار الملاعب برماد السياسة، وحيث يظن بعضهم أن التعصب العابر قادر على محو وشائج نسجتها القرون. غير أن ما يبنى بالضجيج ينهار بالسكوت، وما ينسج بالروح لا تمزقه الصدفة. لذلك، لم يكن الرد مغالبة لغوية ولا إستعراض قوة، بل فعلا رمزيا محسوبا، إختار أن يعلو فوق الحدث لا ان يغرق فيه.
هنا، يتقدم الاتحاد المغربي للدبلوماسية الموازية، لا كجسم تنظيمي فحسب، بل كوسيط معنى، مدرك بأن بعض الجراح لا تلتئم بالبيانات، وان بعض التوترات لا تطفأ إلا بنداء يعرفه القلب قبل العقل. فجاء استحضار كلمة الشيخ محمد لامين حيدرة، أحد أقطاب الطريقة القادرية في السنغال، كاستدعاء مقصود لسلطة لا تنازعها السياسة: سلطة الشرعية الوجدانية. لم تكن الكلمة حضورا شكليا، بل كانت عبورا…عبورا لسلسلة روحية قطعت الصحراء قبل ان تعرف الحدود، وعبرت الأزمنة دون أن تحتاج إلى جواز. القادرية، التي خرجت من بغداد، واستقرت في المغرب، ثم تمددت في غرب إفريقيا، لم تكن طريقة ذكر فقط، بل شبكة توازن، ونظام أمان رمزي، وهندسة غير مرئية للسلم الاجتماعي. إنعقد الجمع العام الاستثنائي للاتحاد المغربي للدبلوماسية الموازية بالرباط، في الحادي والثلاثين من يناير، وكأنه مقام مؤقت إفتتح بتلاوة من الذكر الحكيم، لا لطلب البركة فحسب، بل لإعلان المرجعية. ثم عزف النشيد الوطني، في تواشج لافت بين السيادة والقداسة، وكأن الرسالة تقول ان الدولة التي تنسى روحها تفقد وزنها، وأن الروح التي تنفصل عن الدولة تتحول إلى هامش. توالت الكلمات، لا كخطب، بل كطبقات معنى. حديث عن التنمية لا ينفصل عن الأخلاق. عن القانون لا ينفصل عن الحكمة. عن الدبلوماسية لا تنفصل عن الذاكرة. وكأن الجمع يعيد ترتيب المفاهيم، ويقترح نموذجا لا تكون فيه القوة نقيضا للروح، بل إمتدادا لها. وكان توقيع إتفاقية الشراكة مع المركز الدولي للاستشارات وتنمية القدرات الذاتية بمثابة ختم رمزي على هذا المسار، إعلان صريح بأن الدبلوماسية الروحية لم تعد مبادرة ظرفية، بل اختيارا استراتيجيا، يستثمر في الانسان لا كرقم، بل كحامل معنى، وكفاعل أثر طويل الأمد.
ولفهم ما جرى، لا يكفي النظر الى الحاضر. لا بد من النزول إلى الطبقات السفلى من التاريخ. هناك، حيث التيجانية خرجت من فاس لتصبح قلب التدين السنغالي، وحيث إسم الشيخ احمد التيجاني ما زال يذكر مقرونا بالمدينة التي احتضنته. وهناك، حيث القادرية سبقت الجميع، وربطت المغرب بعمقه الإفريقي عبر العلماء والصلحاء، لا عبر الجيوش. بهذا المعنى، فإن العلاقة بين المغرب والسنغال ليست تحالفا سياسيا قابلا للتبدل، بل علاقة نسب رمزي. نسب لا يلغيه حدث رياضي، ولا تهزه زلة عابرة. فالتعصب إبن اللحظة، أما الروابط الروحية فابنة الزمن الطويل. وما يعمل بمنطق الغريزة ينهزم أمام ما يعمل بمنطق المعنى. في هذا كله، تتجسد الرؤية التي يصر صاحب الجلالة الملك محمد السادس على ترسيخها: إفريقيا كفضاء شراكة إنسانية قبل أن تكون مجال تنافس، والروح كرافعة للاستقرار. رؤية تدرك أن القارة التي حفظت توازنها بالتصوف قرونا، لا يمكن أن تدار اليوم بلغة المصالح الجافة وحدها. إن ما جرى إشارة، وعلامة على أن السياسة، حين تضيق بلغتها، تستنجد بالروح. وحين يعجز الخطاب، يتقدم الذكر. وحين يتكاثر الضجيج، يعود المعنى ليعيد ضبط الإيقاع. فالأمم، في نهاية المطاف، لا تعرف فقط بما تملكه من قوة، بل بما تحتفظ به من حكمة. لا بما ترسمه من حدود، بل بما تقيمه من جسور. ولا بما تقوله في المؤتمرات، بل بما تهمس به في حضرة التاريخ.

اللغة الدبلوماسية الناعمة، والأكثر بقاءا وتأسيسا لبيت التفاهم والتعايش وغرس قيم الاستدامة، عبر التاريخ وضد مكر الزمان، هي لغة الثقافة في مختلف تجلياتها وقواها الرمزية والروحية, إن ما يبقى ويورق ضد قوة الزمان التخريبية ،هو الأثر اللامادي الذي يحفظ حكاية الشوب التاريخية ويوثقها. ما تم الوقوف عليه مع دولة الشعب السينغالي الشقيقة، ينبغي أن يتوسع نداه، ليشع ويلقي بظلاله، في باقي بلدان الشعوب الإفريقة التي ننفتح عليها وتنفتح على بلدنا.