بقلم زكية لعروسي, باريس
لم تعد فيه الحروب تخاض فقط بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بل أيضا بالصور والشاشات، قد تختصر لقطة واحدة روح العصر كله. صورة انقسمت إلى نصفين: في الجانب الأول ناقلة نفط تحترق في مياه الخليج بعد هجوم بطائرات مسيّرة، وفي الجانب الآخر رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب يرقص على أنغام أغنية YMCAيا وسط أنصاره. قد يبدو المشهد في ظاهره مجرد مفارقة إعلامية، لكنه في عمقه يكشف شيئا أكثر غرابة: العالم لم يعد يعيش الأحداث بالطريقة نفسها التي كان يعيشها في الماضي. في القرون السابقة، كانت الحروب ترى من خلال روايات المؤرخين أو تقارير الجنرالات. أما اليوم فالحرب تختزل أحيانا في لقطة شاشة، في مقطع فيديو قصير، في صورة تنقسم إلى نصفين: مأساة من جهة، واستعراض سياسي من جهة أخرى. هذه ليست مجرد مصادفة بصرية، بل هي تعبير عن ما يمكن تسميته سياسة المشهد.
الفيلسوف الفرنسي غي ديبور تحدث في ستينيات القرن الماضي عن فكرة “مجتمع الفرجة”، حيث تتحول السياسة والحياة العامة إلى سلسلة من الصور والعروض. في هذا المجتمع، لا تُاس الأحداث بعمقها بقدر ما تقاس بقدرتها على جذب الانتباه. وإذا نظرنا إلى تلك اللقطة المنتشرة عالميا، سنجد أنها تكاد تكون تجسيدا حرفيا لهذه الفكرة. فالحرب في الشرق الأوسط تظهر كخلفية مأساوية بعيدة، بينما يحتل المشهد السياسي الداخلي المسرح الرئيسي. ليس لأن الحريق أقل أهمية، بل لأن الصورة الأقرب إلى الجمهور هي التي تهيمن على الإدراك.

منذ دخوله الحياة السياسية، تعامل دونالد ترامب مع السياسة كما لو كانت امتدادا لعالم التلفزيون. ليس غريبا، فهو في النهاية نتاج ثقافة إعلامية صنعت نجوميته قبل أن تصنع سلطته. لكن الرقص في لحظة توتر جيوسياسي عالمي يفتح بابا لتأويلات عديدة. هل هو تجاهل متعمد؟ أم رسالة ضمنية بأن السياسة لا يمكن أن تتوقف عند كل أزمة؟ في التاريخ السياسي، كان القادة يحاولون غالبا إظهار الجدية والوقار في لحظات الأزمات. أما في عصر الإعلام الفوري، فقد أصبح الظهور المستمر أهم من التوقيت المناسب. وهكذا يتحول القائد السياسي إلى شخصية داخل عرض متواصل، حيث يجب أن تستمر الموسيقى حتى لو كان العالم خارج القاعة يعيش توترا متصاعدا.
المشهد نفسه يكشف أيضا عن طبيعة الحروب المعاصرة. فالهجوم بطائرات مسيّرة على ناقلة نفط يرمز إلى عصر جديد من الصراعات: حروب غير متماثلة، تكنولوجيات رخيصة نسبيا، وتأثيرات اقتصادية عالمية. لكن ما يجعل هذه الحروب مختلفة حقا هو أنها تُبث مباشرة إلى وعي الجمهور العالمي. لم يعد الناس ينتظرون نهاية الحرب ليقرأوا عنها في كتب التاريخ. إنهم يعيشونها لحظة بلحظة، عبر الشاشات، عبر مقاطع الفيديو، عبر لقطات مفارِقة مثل تلك التي انتشرت في كل مكان. المفارقة الكبرى ربما تكمن قوة تلك الصورة في بساطتها: العالم يحترق في مكان ما، بينما يستمر العرض في مكان آخر. لكن هذه المفارقة ليست جديدة في التاريخ الإنساني. فالحضارات غالبًا ما عاشت لحظات تناقض مشابهة، حيث تستمر الحياة اليومية في أماكن بعيدة بينما تدور الأزمات في أماكن أخرى. الجديد اليوم هو أن الكاميرا تجمع هذه العوالم المتباعدة في إطار واحد.

نعيش اليوم عصرا يمكن وصفه بعصر الغرابة السياسية. رؤساء يطلقون التغريدات بدل البيانات الرسمية، حروب تدار بالطائرات المسيّرة، وأحداث عالمية تختزل أحيانا في مقطع فيديو ينتشر على وسائل التواصل خلال دقائق. في هذا العالم، تصبح الصورة أحيانا أكثر تأثيرا من التحليل، والمشهد أكثر بقاء في الذاكرة من الخطاب السياسي نفسه. لهذا السبب ربما ستبقى تلك اللقطة – نصفها نار ونصفها رقص – واحدة من الصور الرمزية لعصرنا. ليس لأنها تشرح السياسة الدولية بالكامل، بل لأنها تكشف بوضوح مدهش عن مفارقة زمننا: نحن نعيش في عالم يمكن أن يرقص فيه أحدهم… بينما يحترق مكان آخر من الكوكب في اللحظة نفسها.
