البدلة البيضاء وربطة العنق الحمراء

بقلم زكية لعروسي، باريس

في مشهد كان أشبه بكوميديا إلهية كتبها أرسطوفان لو عاش في زمن الأقمار الاصطناعية، وقف دونالد ترامب على قاعدة أندروز الجوية ليقول للعالم: “لست معجبا كبيرا بالبابا ليون”. البابا الذي ارتدى قبل 24 ساعة فقط بياض الفاتيكان ليطلق كلمته ضد الحرب، فإذا برجل الأعمال السابق يرد ببدلته الزرقاء وربطة العنق الحمراء التي تذكرنا بدماء الأبقار في مسالخ شيكاغو. لم يكتف ترامب بالهجوم، بل فتح “صندوق الهجومات” على مصراعيه: “بابا متحرر جدا”، “لا يؤمن بمكافحة الجريمة”، “يتلهى مع إيران التي تريد القنبلة الذرية”. إنها لائحة اتهام تصلح لأن تكون مادة لهجاء شعبي في ليالي القاهرة أو بيروت.

فلسفة دينية يصطدم فيها سيف الدولة بقدرة الكنيسة…لنستحضر هنا القديس أوغسطينوس الذي قسّم المدينة إلى مدينتين: مدينة الله ومدينة البشر. ترامب يريد بابا من مدينة البشر فقط، بابا يصفق لقصف الطائرات بدون طيار، بابا يبارك العقوبات الاقتصادية كما يبارك الكاهن الزيجات. لكن المشكلة أن البابا ليون الرابع عشر – كما أسلافه – يصر على أنه “خادم خدام المسيح”، وليس “خادم خدام البنتاغون”. حين قال المسيح “مملكتي ليست من هذا العالم”، كان يؤسس لعزل سياسي روحاني سيبقى مثار جدل حتى قيام الساعة. فهل يخلع البابا بدلته البيضاء ليدخل في مساومات كلامية مع  ترامب؟ بالطبع لا. لأن البياض هناك ليس مجرد لون، بل هو موقف وجودي: “نحن لا نتفاوض مع دباباتكم ولا مع صواريخكم”.

يقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه: “الله ميت”. لكن ترامب يبدو وكأنه يقول: “لا، بل الله مدين لي، وعليه أن يسدد فواتير حروبي”. ترامب يمثل نموذجا فريدا للـ “إنسان فوق البشر” بنسخته الاستهلاكية: القوة تُعبد، والضعف يُحتقر، والروحانيات تُختزل في صفقات عقارية بين السماء والأرض. في الأدب الشعبي المصري، يقال: “اللي ياكل الثوم ريحته تبان”. ترامب أكل من ثوم السلطة والنفوذ وصفقات الأسلحة لدرجة أنه يظن أن البابا مجرد موظف عام يمكن استدعاؤه “على السجادة الحمراء” لتوبيخه.

لنتذكر حكاية “القط والفأر” في التراث الشعبي: الفأر الذي ظن نفسه أسدا لأنه أكل من بقايا وليمة الملوك. ترامب يظن أن السيطرة على الكونجرس تعني السيطرة على الكون كله، متناسيا أن هناك “كونا آخر” يمثله ذلك الرجل العجوز بالرداء الأبيض على شرفة القديس بطرس. فماذا عسى البابا أن يفعل للمواجهة؟

السيناريو الأول: صمت المهيب. أن يبقى البابا صامتا، وهذه هي أشد أنواع الردود قسوة. الصمت هنا ليس ضعفا، بل هو بحسب مقولة الفيلسوف الديني مارتن بوبر “الكلمة الأكثر حضورا”. حين يصمت البابا، يبقى صوت ترامب يتردد في الفراغ كمن يصرخ في بئر عميقة. السيناريو الثاني: رسالة عامة. أن يكتب البابا رسالة بعنوان (عن أمريكا) كما كتب (عن أوروبا)، يشرح فيها أن عظمة الأمم  لا تُقاس بعدد حاملات الطائرات، بل بعدد الأطفال الذين لا ينامون جائعين.

السيناريو الثالث: الضحكة الملائكية. أن يضحك البابا في وجه الهجوم، كما حكى المسيحيون الأوائل عن ملائكة ضحكوا على الإمبراطور الروماني وهو يهددهم. ضحكة تقول: “يا ترامب، أنت لا تهددني، أنت تهدد صورتك في كتب التاريخ”.

ترامب يريد “بابا لا ينتقده”، لكنه ينسى أن الانتقاد هو جوهر النبوة. الأنبياء كلهم كانوا “منتقدين رسميين” للسلطة باسم السماء. إشعياء انتقد الملوك، ويوحنا المعمدان واجه هيرودس، وحتى المسيح نفسه قال لبيلاطس: “لم تكن لك علي سلطان لو لم تكن قد أعطيت من فوق”. ربما لو كان ترامب قد قرأ الإنجيل بدل أن يقرأ تقارير الاستخبارات، لعلم أن البابا ليس موظفا في إدارته التنفيذية، وأن “صناديق الهجومات” التي يظن أنه افتتحها كانت مفتوحة منذ أيام موسى، حين قال لفرعون: “أرسل شعبي”.

، يبقى المشهد كما هو: رجل ببدلة بيضاء على شرفة القديس بطرس، يقابل رجلا بربطة عنق حمراء على قاعدة أندروز الجوية. والأرض تدور، والحروب تشتعل، والناس تنتظر كلمة حق من هنا أو هناك. لأنهم تعلموا – بقسوة التجربة – أن السياسيين يعدون بالجنة على الأرض، أما الأنبياء فيذكرونهم بأن الجنة الحقيقية ليست على الأرض، بل في القلوب التي لم تبع ضمائرها بعد لشركات الأسلحة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *