البرلمان الفرنسي ومنع الحجاب في مجالس الإدارة

بقلم زكية لعروسي, باريس

في تلك القاعة التي تشبه بطن سحاب متردّد، لم يكن النواب يجلسون وحدهم.كان التاريخ هناك… متكئا على عصاه، يراقب بصمت كثيف،وكانت الفلسفة تمشي في الممرات، تلمس الجدران كما لو أنها تتحسس جرحا قديما لم يندمل.حين طرحت الكلمات- “المنع”، “الحياد”، “الرموز”- لم تكن مجرّد ألفاظ قانونية، بل كائنات ظلّ خرجت من كتب مهجورة، تبحث عن أجساد جديدة تسكنها. قال أحدهم، وهو يضبط ربطة عنقه كمن يهيّئ فكرة للذبح: “الدولة يجب أن تكون صامتة أمام الإيمان، محايدة كمرآة لا تعكس إلا القانون.” فضحكت الفلسفة، ضحكة خفيفة تكاد تسمع: “وهل كانت المرآة يوما بلا ذاكرة؟

كل زجاج يحمل شظايا ما كسر قبله.” في الزاوية، كانت امرأة تضع على رأسها قطعة قماش ليست قماشا فقط، بل طبقات من المعنى: أمّ، لغة، خوف، عناد، صلاة، وربما -فقط ربما- حرية. لم تتكلم. لكن صمتها كان أكثر بلاغة من كل الخطب. اقترب منها التاريخ، جلس إلى جوارها كشيخ يعرف أن كل ما يحدث قد حدث من قبل، وهمس: “لقد جرّبوا أن يضبطوا الروح بالقانون، فخرجت الروح من النصوص، وسكنت الناس.” في منتصف القاعة، انقسم الزمن إلى نصفين: نصف يريد أن يحمي الفضاء العام من كل ما يذكّر بالاختلاف، ونصف يرى في الاختلاف آخر دليل على الحياة. هنا، لم يعد السؤال: هل يسمح بالرمز؟ بل: من يملك تعريف الحياد؟ ومن يجرؤ على القول إن الجسد يمكن أن يفرَّغ من دلالاته كما تفرَّغ الجيوب من المفاتيح؟

قال العقل، بصوت مرتبك هذه المرة: “إننا نخشى الانزلاق.” فردّ القلب، من مكان غير محدد: “وأنا أخشى الجفاف.” بين الخوفين، ولد القانون… ككائن هشّ، يحاول أن يمشي فوق خيط مشدود بين هاويتين: هاوية الفرض، وهاوية الإلغاء. في الخارج، كانت المدينة تمارس حياتها كأن شيئا لا يحدث، لكن الأرصفة تحفظ وقع الخطى القلقة، والنوافذ تعكس وجوها تتساءل دون صوت: هل نحن ما نؤمن به؟ أم ما يسمح لنا أن نظهره؟

عاد التاريخ إلى مقعده، وأغلق عينيه قليلا كأنه لا يريد أن يرى النسخة الجديدة من الحكاية القديمة. أما الفلسفة، فتوقفت عند الباب، التفتت، وقالت للجميع دون أن تشير إلى أحد: “حين يصبح الرمز أخطر من الفكرة، فاعلموا أن المعركة لم تعد حول القماش… بل حول المعنى الذي يخيفكم فيه.” ثم خرجت. وتركت القاعة تمتلئ بصوت خافت…ليس تصفيقا، ولا اعتراضا، بل شيء يشبه ارتباك الحقيقة وهي تبحث عمّن يحتملها.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “البرلمان الفرنسي ومنع الحجاب في مجالس الإدارة

  1. أرى أن المقال يثير نقطة مهمة: النقاش حول الحجاب في فرنسا ليس قانونيًا فقط، بل مرتبط بتعريف الحياد وحدود الحرية الفردية. الكاتب يميل بوضوح إلى اعتبار المنع نوعًا من التضييق على التعددية، ويرى أن الحياد الحقيقي لا يعني إخفاء الاختلاف بل تنظيمه واحترامه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *