بقلم زكية لعروسي، باريس
في عصر كان يفترض أن تنتصر فيه الطب الحديث على الألم، تعود بعض الأخبار لتوقظ فينا قلقا قديما: ليس كل ما يكتب على علبة دواء شفاء، وليس كل ما يصرف بوصفة أمان. دواء ناكورونديل ، الذي وصف لسنوات لمرضى الذبحة الصدرية، يجد نفسه اليوم في قلب عاصفة أخلاقية وعلمية، بعد تحذيرات متكررة من عدم توصية استعماله، ودعواتٍ صريحة لسحبه من السوق، إثر آثار جانبية خطيرة قد تصل-كما قيل- إلى الموت.

في جوهر الطب، هناك نية نبيلة: تخفيف الألم، إطالة الحياة، وإعادة التوازن إلى جسد اختلّت معادلته.لكن، كما يقول المثل المغربي: “اللّي ما جرّب ما عرف”… والتجربة هنا ليست دائما رحيمة. هذا الدواء، الذي يعمل على توسيع الشرايين وتحسين تدفق الدم إلى القلب، كان يقدَّم كحل بديل حين تفشل الخيارات الأولى. غير أن الواقع كشف وجها آخر: تقرّحات خطيرة، آلام مزمنة، نزيف، ومضاعفات قد تنتهي بثقب عضو داخلي. وهنا يهمس مثل مغربي آخر بمرارة: “البكاء مور الميت خسارة”. فهل ننتظر الضحايا كي نتحرك؟ هل أصبح الإنسان حقل تجارب؟
السؤال ليس بسيطا، ولا يجوز تبسيطه. فالطب لا يتقدم إلا بالتجربة، لكن التجربة لا تعني التهاون. عندما تسجَّل تحذيرات منذ التسعينيات، وتعاد التنبيهات عبر السنوات، ثم يبقى الدواء حاضرًا في الوصفات…فإننا لا نكون أمام خطأ عابر، بل أمام خلل في ميزان القرار. هنا يطفو مثل مغربي ثالث: “اللي فيه الفز كيقفز”. أي أن الخطر حين يهمَل، لا يختفي… بل ينتظر لحظة الانفجار. فكيف نتأكد إذن من الأدوية؟ ليس المطلوب أن يتحوّل المريض إلى طبيب، ولا أن يعيش في خوفٍ دائم، لكن الوعي لم يعد رفاهية. هناك قواعد بسيطة، لكنها عميقة الأثر: السؤال قبل الاستعمال: لماذا هذا الدواء؟ وما بدائله؟ متابعة النشرات والتحذيرات الصادرة عن الهيئات الصحية. الانتباه لأي أعراض غير مألوفة، وعدم تجاهلها. والأهم: الثقة الواعية، لا العمياء. فالطب علاقة شراكة، لا علاقة تسليم مطلق.

فحين تتقاطع المصالح الاقتصادية مع القرار الطبي، يصبح الضمير العلمي خط الدفاع الأخير. وإذا اختلّ هذا التوازن، فإن الإنسان- كما يُخشى- يتحوّل فعلا إلى ساحة اختبار. لكن الحقيقة الأعمق تبقى: العلم ليس عدوا، بل طريقة استخدامه هي التي تحدد مصيره. وكما يقول المغاربة: “الدواء اللي ما يبرى… يزيد يضر”. ليست القضية قضية دواء واحد، بل قصة ثقة. ثقة بين مريض يسلّم جسده، ونظام صحيّ يفترض أن يحميه. لكن حين تتسارع الاكتشافات، يبقى السؤال الأهم ليس: ماذا نستطيع أن نصنع؟ بل: ماذا يجب أن نمنع؟ لأن الحياة، في النهاية، ليست حقل تجارب… بل أمانة.
📲 Partager sur WhatsApp