بقلم زكية لعروسي
حين يتكاثف الضجيج حتى يكاد يخفي صدى الحقيقة، تبدو مقولة سبينوزا كأنها نبوءة مبكرة عن زمننا: ليس الناس في أغلبهم طلاب حقيقة، بل محامون عنها، أو بالأحرى محامون عن ذواتهم وهم يتخفّون في زيّ الحقيقة. إننا لا نبحث لنفهم، بل لنثبِت؛ لا نصغي لننصت، بل لنردّ. وفي هذا المناخ الملبّد، تبرز الترامبية كظاهرة بوصفها تجسيدا صارخا لهذا الميل الإنساني العميق، حيث تتحول السياسة من فنّ الممكن إلى مسرح لإثبات الإرادة، ومن إدارة للعالم إلى صراع على تعريف الواقع ذاته.

لقد شكّلت الترامبية، بما هي خطاب وسلوك، انقلابا في العلاقة التقليدية بين السلطة والحقيقة. ففي الفكر الكلاسيكي، منذ أفلاطون الذي جعل الفيلسوف ملكا لأنه يرى الحقيقة، إلى الفارابي الذي حلم بمدينة فاضلة يقودها العارف، كانت الحقيقة معيار الشرعية. أما في هذا الطور الجديد، فإن الشرعية تبنى عبر القدرة على فرض سردية ما، حتى لو كانت على حساب الوقائع. هنا، لا يعود السؤال: “ما الحقيقة؟” بل: “من يملك القوة ليجعل قوله حقيقة؟” يمكن قراءة هذا التحول عبر عدسة نيتشه،الذي أعلن موت الحقيقة الموضوعية لصالح تعددية التأويلات، لكنه لم يقصد – على الأرجح – أن تتحول الإرادة إلى أداة لطمس الواقع، بل إلى تحريره من أوهام الثبات. غير أن ما يحدث اليوم هو شيء آخر: إرادة للهيمنة لا لتأويل العالم، بل لإعادة تشكيله وفق نزعة فردية تتغذى من الجماهير وتعيد إنتاج نفسها عبرها.
في هذا السياق، يبدو دونالد ترامب ظاهرة أنثروبولوجية. إنه يجسّد ما يمكن تسميته “سياسة اليقين الذاتي”، حيث يصبح القائد مرآة لجمهوره، يعكس مخاوفه، ويضخم حدسه، ويمنحه شعورا بأن ما يشعر به هو، بالضرورة، ما يجب أن يكون. وهنا تكمن المفارقة: فكلما ازداد العالم تعقيدا، ازداد الطلب على تبسيطه، لا عبر الفهم، بل عبر الحسم. هذا النمط من السياسة يعيد إلى الأذهان أطروحات ابن خلدون حول العصبية، حيث لا تقوم الدولة فقط على العقل، بل على رابطة شعورية تجمع الأفراد حول تصور مشترك للعالم. غير أن العصبية الحديثة لم تعد قبلية أو عرقية فحسب، بل إعلامية أيضا، تبنى عبر الشاشات، وتغذّى بالخوارزميات، وتدار بلغة تتجاوز المنطق إلى الإيحاء.
أما على المستوى الجيوسياسي، فإن الترامبية تعبّر عن تحوّل أعمق في بنية النظام الدولي. منذ نهاية الحرب الباردة، ساد وهم أن الليبرالية قد انتصرت نهائيا، وأن العالم يسير نحو تجانس سياسي واقتصادي. غير أن العقدين الأخيرين كشفا هشاشة هذا التصور. فصعود قوى جديدة، وتآكل الثقة في المؤسسات، وانفجار الفضاء الرقمي، كلها عوامل أعادت تشكيل المشهد. في هذا الإطار، يمكن فهم الترامبية بوصفها ردّ فعل على العولمة، ولكنها أيضا إعادة تعريف للسيادة. لم تعد السيادة تعني فقط التحكم في الحدود، بل التحكم في السرديات. من يحدد ما هو “التهديد”، وما هو”النجاح”، وما هو “العدو”، يمتلك، عمليا، مفاتيح النظام. وهنا، تتحول الحقيقة إلى أداة تفاوض، لا إلى معيار حكم.
غير أن هذا المسار يطرح سؤالا فلسفيا عميقا: هل يمكن للسياسة أن تستغني عن الحقيقة؟ أم أن ما نشهده هو مجرد طور انتقالي قبل عودة الحاجة إليها؟ في التراث اليوناني، كان سقراط مستعدا للموت دفاعا عن فكرة أن الحوار الصادق هو أساس المدينة. وفي التراث العربي، شدد الغزالي، رغم شكّه المنهجي، على أن الوصول إلى اليقين يمر عبر تطهير النفس من الأهواء. أما اليوم، فإن التحدي لا يكمن فقط في معرفة الحقيقة، بل في الرغبة في معرفتها. لقد أصبح الوعي ذاته ساحة صراع، تستثمر فيها العواطف، وتستدرج فيها الانفعالات، وتعاد صياغة الإدراك. وهنا، لا يكون الخطر في الكذب بحد ذاته، بل في القدرة على جعله غير قابل للتمييز عن الصدق.
إن ما يجري في العالم اليوم ليس مجرد صراع بين دول، بل صراع بين أنماط من التفكير: بين من يرى الحقيقة كرحلة، ومن يراها كملكية؛ بين من يعتبر الشك فضيلة، ومن يراه ضعفا؛ بين من يسعى للفهم، ومن يسعى للانتصار. ولعل المأساة الكبرى – أو ربما الفرصة – تكمن في أن هذا الصراع لم يحسم بعد. فالتاريخ، كما علّمنا هيغل، ليس خطا مستقيما، بل جدل مستمر بين قوى متعارضة. وما نعيشه اليوم قد يكون مجرد لحظة من هذا الجدل، حيث تتصارع إرادة القوة مع إرادة المعنى. يبقى إذن السؤال مفتوحا: هل يمكن للعالم أن يستعيد شغفه بالحقيقة، لا كأداة، بل كغاية؟ أم أننا دخلنا عصرا جديدا، تصبح فيه الحقيقة مجرد احتمال من بين احتمالات، وصوت من بين ضجيج؟ ربما لا يملك أحد الإجابة. لكن ما هو مؤكد أن الطريق إلى المستقبل لن يرسم فقط بما نفعله، بل بما نختار أن نصدقه.
📲 Partager sur WhatsApp