التعليم: “في عجائب الخطباء ومصائب المعلّمين”

بقلم  زكية لعروسي، باريس

لو قدّر لـلجاحظ أن يطالع أحوال التعليم في المغرب، لما اكتفى بالبيان والتبيين، بل لربما ألّف كتابا سماه: “في عجائب الخطباء ومصائب المعلّمين”، يروي فيه كيف صار المعلّم سيّدا في الخطاب، أسيرا في الواقع، وكيف تحوّلت المدرسة من محراب للعلم إلى ساحة تتنازعها الأقدار والاختلالات.

تأتينا نتائج دراسة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عبر مشروع “تاليس” كأنها مرآة مصقولة؛ تعكس ملامح هيئة التدريس في المغرب: أساتذة شباب، لا يتجاوز متوسط أعمارهم الأربعين، يغلب عليهم الحضور النسائي في الابتدائي، ويظهرون التزاما يكاد يكون بطوليا في ظل أقسام مكتظة، متباينة، تكاد تختصر كل تناقضات المجتمع لكن، وكما قال القدماء: ليس كل ما يلمع ذهبا.

فخلف هذا الالتزام، تختبئ أسئلة مرّة: كيف لمعلّم منهك أن يكون رسول معرفة؟ وكيف لمنظومة تقنّن العجز أن تنتج التفوّق؟ عن أي تعليم نتحدث؟ أيها القارئ، لا تنخدع بوحدة المصطلح، فـ”التعليم” في المغرب ليس واحدا، بل هو تعاليم شتّى:

– تعليم عمومي: لأبناء الشعب، حيث الكثافة، والخصاص، والتجريب المستمر، وكأن التلميذ مشروع إصلاح لا ينتهي

– تعليم خاص: لمن استطاع إليه سبيلا، أو اقترض ليصنع لأبنائه سلّما نحو “النجاة”، حيث الفوارق أقل، لكن السؤال قائم: هل هو تعليم أم خدمة مدفوعة؟

– تعليم النخبة: في مؤسسات تنتج الامتياز، وتعيد إنتاج الفوارق، حتى كأن المجتمع يقسّم منذ الطفولة إلى طبقات معرفية

وهنا، يسقط القناع: لسنا أمام منظومة واحدة، بل أمام أنظمة تعليمية متوازية، لا يجمعها سوى الإسم. تخبرنا الدراسة أن الأستاذ المغربي يفتقر إلى الاستقلالية البيداغوجية. وأيّ مفارقة هذه! نطلب منه الإبداع، ثم نكبّله بالمناهج. نطالبه بالتجديد، ثم نحاصره بالتعليمات. إنه كاتب يؤمر أن يبدع، لكن بالحبر الذي نختار، وعلى الورق الذي نسمح، وفي الموضوع الذي نحدّد.

وفي زمن صار فيه الذكاء الاصطناعي شريكا في التعلم، لا يزال حضوره في المدارس المغربية خافتا. لكن لعلّ السؤال الأصدق ليس: لماذا لا يستخدمه الأساتذة؟ بل: هل وفّرنا لهم شروط استخدامه؟ أم أننا نطلب منهم القفز إلى المستقبل بأقدام عالقة في وحل الماضي؟

أما ما لم تقله الدراسة صراحة، فهو ما يهمّ أكثر: العنف في المؤسسات التعليمية. ذاك العنف الذي: يبدأ لفظيا، ويتحوّل إلى جسدي، وينتهي رمزيا، حين يفقد التلميذ احترامه للمعلّم، ويفقد المعلّم إيمانه بالمهنة. العنف عرض لمرض أعمق: مدرسة فقدت هيبتها، ومجتمع نقل توتراته إلى فصول الدراسة.

نسبة الرضا المهني مرتفعة، لكن الرضا عن الأجور متدن وهنا، تتجلّى إحدى أعجب مفارقات الإنسان: يحبّ المهنة… ويشقى بها. يؤمن بالرسالة… ويرهق في سبيلها. وكأن المعلّم يعيش ازدواجا وجوديا: روح معلّقة بالمعرفة، وجسد مثقل بالحاجة. إن ما تكشفه “تاليس” ليس خللا طارئا، بل بنية تحتاج إلى إعادة نظر جذرية. اقتراحات لا تحتمل التأجيل:

– توحيد الرؤية التعليمية: تقليص الفوارق بين التعليم العمومي والخاص، حتى لا يصبح التعليم أداة لإعادة إنتاج اللامساواة

– تمكين الأستاذ: من استقلالية حقيقية، لا شكلية، تجعله فاعلا لا منفذا

– إصلاح التكوين: ليواكب تعقيد الواقع، لا أن يظل أسير النظريات

– مواجهة العنف: عبر سياسات واضحة، تشمل التلميذ والأسرة والمحيط، لا عبر حلول ترقيعية

– تحسين الوضع المادي: لأن الكرامة المهنية شرط للإبداع

– إدماج التكنولوجيا بواقعية: لا كشعار، بل كممارسة مدعومة بالتجهيز والتكوين

يا سادة، إن التعليم ليس أرقاما تعرض في ندوة، ولا نسبا تقارن بدول أخرى، بل هو سؤال وجود: أيّ إنسان نريد أن نخرّج؟ فإن كان الجواب غامضا، ظلّ الإصلاح تيها. وإن كان واضحا، صار التعليم مشروع أمة، لا ملف وزارة. ولو عاد الجاحظ اليوم، لقال: “عجبت لمن يصلح السقف وينسى الأساس، ويحصي الأرقام وينسى الإنسان.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *