بقلم د. محمد طواع.
مظاهر عصرنا التي لا تحصى كثرة، تسمح بالقول أن نذهب إلى أن للفضاء الكوني الذي تنتج فيه المعلومة، والذي يشكل اليوم ذلك الأفق الشامل، الذي يطوق الكائن البشري بشبكة مكثفة من التدفقات الرقمية، قد ساهم في تمكين الدولة من مزايا عدة، منها تدبير كثير من الإجراءات بأقل تكلفة من الورق وبسرعة فائقة في تدبير الملفات، وخلصها من عبء تشغيل كثير من اليد العاملة، وحسن تجويد عالم الشغل، وخلص الإدارة مما يمثله الحضور المتعب للمرتفقين وضجيجهم… غير أن هذا الأفق، الذي فوض له “موظفو التقنية”، جل الملكات الإدراكية للذكاء الإنساني، حول عالم الكائن البشري، على مستوى التكلم وإعمال الفكر، إلى عالم بدون عمق. فقط طغيان التكرار والثرثرة وكثير من اللغو وقليل من الفكر. ما انتهى بالإنسان إلى إقامة، أساسها ومبدأها، السرعة، و أن أي شيء هو مجرد “مادة” للاستهلاك. بل أكثر من ذلك يمكن أن نذهب إلى القول بأن “يد” الإنسان، باعتبارها ليست مجرد “عضو” يمتد عن ميكانيكا الجسد، غدت مهددة بافتقاد “عبقريتها” في خلق الإشارة وإبداع الأثر والرمز والكتابة والمعمار… لقد تحولت هذه الملكة العبقرية إلى مجرد “شيء” في خدمة أزرار الآلة، التي فوض لها موظفو التقنية، مجمل ملكات الإنسان، تلك التي أنشأ على أساسها مختلف أشكال الثقافة وأساليب العيش المشترك ونمط الإقامة المتنوع على الأرض. أو قل إن عبقرية اليد، هي ما كان ورا إبداع الأسس الأصلية للنظام الأرضي للثقافات وإيقاعات العالم.
هذا التحول في التفويض لمجمل ملكات الذكاء البشري، إلى الآلة وخوارزميات اشتغالها، هو ما يفسر هذا الضجيج العالمي الواهم، حول “سحر الذكاء الاصطناعي”، الذي سيحل جميع مشاكل الإنسانية جمعاء. هذا الوضع الذي حاولنا تقريبه من خلال هذه الصورة التي تبدو متشائمة، هو، مع الأسف، الآخذ في الانتشار باعتباره شكل الحضور المعاصر، حضور يغدو فيه العالم “معطى بيانات رقمية”، وتمسي الأشياء، وخاصة الطبيعية والنادرة منها، “موضوع مجال” للصراع الكوني، من أجل الاستحواذ عليها، ولو كلف الأمر إبادة نظام دولة، أو حق شعب ما في الإقامة على أرض، أين توجد تلك الأشياء. ما يعني أن اللغة التي أمسى يتكلم بها هذا العصر وموظفوه، أصحاب شعار “الأنوار المظلمة”، هي لغة التقنية والقوة. لا لغة إذن للتفاوض أو التفاهم أو لحل النزاعات بين الدول اليوم، سوى هذه اللغة. نلاحظ بإمعان أن الزمن المعاصر يدفع الكائن البشري إلى التخلي عن “اليد” التي كانت وراء إبداع الرمز وكتابة التاريخ وتحرير سردية الوجود عبر أزمنة خلت، وهي قدرة لا تحيلنا على فهم الأمر بأننا نتكلم عن ” فعل مهاري تقني”، وإنما يعنينا هذا الذي نسميه يدا، باعتباره يسمح بالحديث عن “نمط وجود” في العالم، يقوم أساسا على “ملامسة الأشياء ومناولتها” باليد. ما يسمح بالقول إن كل فعل أو ممارسة أو نشاط، لا يتخذ ماهيته ومعناه، إلا من خلال الانفتاح على الأشياء وفق هذا النمط من الوجود الذي لا يتحقق معه أي منجز او تصميم لفضاء، إلا والجسد ككل منخرط في ملامسة الأشياء ومناولتها يدويا. وعلى أساس هذا النمط من الانفتاح “الجسدي-اليدوي” على الأشياء، تتجلى هذه الأخيرة باعتبارها أقطاب علاقة معقدة، تمنح الفضاء ضياء معناه وقيمته الرمزية، وتقيم بين الإنسان والعالم تماسا حيا، لا يفتأ يرسل على الفانين، نداء جوهر تلك الأشياء، الجوهر الذي يقتضي منهم حسن الاستماع، إلى ما يهمس به باعتباره نداء حقيقة الوجود. فرق إذن بين نمط انفتاح يقوم على القرب والبطء في التأمل والمناولة، بعد الاستماع لما تشي به تلك الأقطاب، وبين انفتاح يرى الأشياء مجرد “موضوعات للاستعمال أو للاستهلاك الفوري ليس إلا.
إن ما يجعل من الإنسان، ذلك الكائن الحر، من حيث انهمامه بشيئية الأشياء، ونمط إقامته العالم بما يفعل، هي اليد. لأن اليد وحدها بذكائها، هي التي ترسم خطط نمط انفتاحنا على الأشياء. في إطار هذا الأفق الأنطولوجي، لا يكون فيه الإنسان إنسانا بالفعل، إلا من خلال ما يفعله، بمعنى ينجزه أثرا ملموسا. ما يفسر ان الحرية ليست مجرد مسألة وعي أو شعور بغياب حواجز، بل هي انفتاح وممارسة وإبداع. ومن ثمة تكون الحرية إقامة في صلب ما تحرره اليد، بمعنى تمنحه حرية بحسبان من أجل الظهور. وعليه، فكل عمل إبداعي، هو فعل إظهاري. ذلك لأن اليد في هذا الأفق الأنطولوجي لفهم سؤال الحرية، فيما هي تشير، تصافح، تخط، تشق الأرض، تشيد، تبدع أعمالا، تقول وتظهر، فهي ترسم ملامح الحرية باعتبارها إقامة في العالم. واليد في هذا الفهم لا تنفذ، بل هي “تحرر”. بل إن لليد قدرة خارقة على الاستماع لما يتعين عليها فعله، بمعنى منحه إمكان الحرية بالتحرير الذي يشق طريقا، لإنشاء فضاء للحقيقة، وهي تحدث.
اليد في صميم ماهيتها لا تعرف العجلة، لأنها ابنة الزمن الطويل، الذي يأتي نداءه من ذاكرة كل أثر، ومما قيل أو تم إنشاءه على الأرض- مسقط الرأس. اليد ليست تقنية، بل هي طاقة مولدة للرمزي أو للمادي واللا-مادي، اللذان يشهدان على مرور الشعوب التاريخية على الأرض. لذا لا ينبغي لهذا الزمن المعاصر أن يختزلها إلى “أصبع”، يتحرك بسرعة فائقة على ملمس الحاسوب. لنفكر إذن في شيئية اليد وعبقريتها من منظور شعري، وفي الأشياء باعتبارها أقطابا لتثبيت وجودنا على الأرض، بمنظور يظهر لها المعنى والقيمة، اللذان تحفظهما هي لهما، في ما تشي به.

شكرا الورقاء على ما تمنحه من إمكان لتقاسم مقاربات تنهمم بما تشير اليه مظاهر عصرنا من إشكالات.
لا مجال للشك بأن لليد ثاريخ هو نفسه تاريخ الإنسانية. فالإنسان يعتبر صانع الأدوات التي بدونها ما كان للإنسان ان يحقق كل هذا التطور في كل المجالات المرتبطة بحياته.
هذه اليد التي بدونها ما كان للإنسان ان يصنع كل هذا العالم هي نفسها التي نقش بها الإنسان على الصخر ليصف نمط حياته ويعبر عن رغباته وطموحاته. نقوش اسست مراحل تدرجية كانت بالنسبة للإنسان المعاصر كصفحات كتاب يحكي شطرا من ثاريخ البشرية. رسوم على الصخر بيد إنسان (طالما اعتبر بدائيا)، أنقذ مرحلة من ثاريخ البشرية…
هذا العضو الخلاق، الغارق في القدم لن يضيع، إلآ إذا ضاع الإنسان!!
شكرا أستذ جمال على نبل تواصلكن من خلال تفاعلك مع المقال الذي ينتقد ما آلت إليه أمورنا وكثير من الأشياء التي تعبر أقطاب تثبيت أقدام الإنسان على الأرض، وعلى رأسها اليد التي اختزل أمرها إلى القيام ب”النقر” على شاشة الهاتف أو الحاسوب، ليتتورى معها مهارة الكتابة بما هي مناولة يد تفكر وتصغي لما ينبغي تحريره….