بقلم زكية لعروسي، باريس
في مدينة سان دوني، لا تبدو السياسة مجرّد إدارة يومية لشؤون الناس، بل أقرب إلى مسرحٍ مكتمل الأركان، حيث تختلط الوقائع بالرموز، وتتماهى الشخصيات مع أدوارها إلى حدّ يصعب فيه التمييز بين الحقيقة والتمثيل. هناك، في هذه المدينة التي تقف على تخوم باريس، يولد ما يمكن تسميته -دون مبالغة- “مسلسل سان دوني”: دراما سياسية مفتوحة، تتجاوز حدود الخبر العابر لتلامس بنية السلطة ذاتها.

صعود بالي بايا ياكو إلى رئاسة البلدية لم يكن مجرد انتقال ديمقراطي تقليدي، بل لحظة كثيفة بالدلالات: انتصار لخطاب سياسي جديد، آتٍ من هوامش التمثيل، يحمل معه وعود القطيعة مع ممارسات الماضي. لكن، وكما في كل الأعمال الدرامية الكبرى، لا يلبث المشهد أن يتعقّد. استقالة أوريان في لهول فجّرت ما يشبه الحبكة المفصلية: اتهامات، شكوك، وصورة عابرة لرئيس بلدية في حديث ودي مع مولود بزوح، الرجل المدان في قضية الاعتداء عليها. هنا، يتكثّف السرد، ويتحوّل الحدث من واقعة قانونية إلى علامة سياسية قابلة للتأويل. هل نحن أمام مجرد صراع حزبي؟ أم أن ما يحدث أعمق من ذلك؟ في التحليل السوسيو سياسي، يمكن قراءة هذه الواقعة عبر ثلاثة مستويات:
1- صراع الشرعيات
– ليست المسألة صراع برامج بقدر ما هي صراع على “الشرعية الأخلاقية”
– اليسار الجديد، ممثلا في بايا يوكو، يدّعي تمثيل القطيعة والتجديد
– اليسار التقليدي، الذي تنتمي إليه فالهول، يتمسك بصورة “النزاهة المؤسساتية”
– الاستقالة هنا ليست انسحابا فقط، بل محاولة لإعادة تعريف من يملك الحق في تمثيل “الخير العام”
2-تداخل الاجتماعي بالسياسي
سان دوني ليست مدينة عادية؛ إنها فضاء اجتماعي مركّب، حيث: الهشاشة الاقتصادية, التنوع الثقافي وتاريخ التهميش تخلق كلها بيئة تصبح فيها السياسة مشحونة بالعواطف والتوترات. في مثل هذا السياق، يمكن لأي حادثة, حتى لو كانت فردية, أن تتحول إلى قضية عامة تمسّ الشعور الجماعي بالأمان والعدالة.
3- منطق “الريبة”
مجرد صورة أو لقاء عابر كان كافيا لإشعال الأزمة. لماذا؟ لأن الثقة في الحقل السياسي أصلا هشّة. في هذا المناخ، لا تحتاج الاتهامات إلى أدلة قاطعة بقدر ما تحتاج إلى “قابلية التصديق”. وهنا تكمن خطورة اللحظة: السياسة لم تعد تحاكم فقط بالوقائع، بل بالانطباعات. هل هي معركة أحزاب؟ الجواب: جزئيا فقط. نعم، هناك تنافس حزبي واضح، لكن اختزال ما يحدث في هذا البعد يفقر التحليل.
ما نشهده هو: صراع أجيال داخل اليسار, صدام بين رؤيتين للسلطة: سلطة مؤسساتية تقليدية وسلطة شعبوية حركية تسعى لإعادة تشكيل القواعد بل يمكن القول إن “مسلسل سان دوني” هو انعكاس لتحوّل أوسع في السياسة الفرنسية: انتقال من الاستقرار الحزبي إلى سيولة التحالفات، ومن وضوح الخطابات إلى ضبابية الممارسات. من رواية أكبر، حيث السلطة تختبر والشرعية تعاد صياغتها والثقة تستهلك بسرعة مذهلة, إنه مسلسل بلا نهاية مكتوب سلفا حيث كل مشهد يحمل إمكانية الانفجار، وكل صمت يخفي معنى، وكل ابتسامة قد تقرأ كإشارة. وهنا، ربما تكمن الحقيقة الأعمق: ليست السياسة ما يحدث فقط… بل كيف يروى ما يحدث.
📲 Partager sur WhatsApp