الرجل الذي حاول سرقة نمل وهمس سليمان

بقلم زكية لعروسي، باريس

في عالم تضيق فيه الدهشة، وتكاد العجائب تختزل في شاشات باردة، خرجت علينا حكاية من قلب إفريقيا، من مطار يعجّ بالوجوه العابرة، لتعيد إلى العالم شيئا من سحره القديم: رجل يحاول أن يسافر… لا بحقائبه، بل بجيش من النمل. في نيروبي، عند بوابة مطار جومو كينياتا الدولي، لم يكن ما أوقف المسافرين تلك المرة جواز سفر ناقص أو وزن زائد، بل سر صغير… مخبّأ في أنابيب اختبار ولفائف ورق: آلاف الكائنات الدقيقة، نمل إفريقيّ من نوع Messor cephalotes، كأنها خرجت للتو من أسطورة.

لو مرّ النبي سليمان من هناك، لابتسم ابتسامة العارف. أليس هو من سمع همس النملة وهي تحذّر قومها؟ “ادخلوا مساكنكم…” – جملة صغيرة، لكنها كشفت أن هذا العالم، مهما صغر، مليء بالحكمة. وهذا الرجل؟ كأنه لم يكن مهرّبا فقط… بل ناسخا سيئ الحظّ لأسطورة عظيمة. أراد أن يسرق الهمس. ماذا كان سيفعل بكل هذا النمل؟ السؤال لا يطرح ببراءة. فنحن لا نتحدث عن حشرات عابرة، بل عن “ملكات” وعمّال من أكثر الأنواع تنظيما في الطبيعة. هذا النمل، الذي يباع أحيانا بعشرات اليوروهات للفرد، ليس للتسلية، بل لطقس غريب من ولع البشر بالسيطرة على النظام. ربما كان الرجل يحلم بإمبراطورية زجاجية، مستعمرات تبنى داخل صناديق شفافة، حيث تعاد كتابة الطبيعة… وفق مزاج المقتني.أو ربما كان الأمر أبسط وأكثر قسوة: تجارة. شبكة. أرقام تتحرك بدل الكائنات.

لكن خلف كل احتمال، يظل سؤال أكبر: هل يمكن امتلاك كائن يعيش في نظام يفوقنا دقة؟ كيف جمع هذا العدد؟ هنا يبدأ الجانب الأكثر إثارة للرهبة. جمع ما يقارب ألفي نملة ليس عملا عشوائيا، بل اقتحام لنظام كامل. Messor cephalotes ليس نملا سهل المنال. يعيش في مستعمرات منظمة، تحرسها طبقات من العمّال، ويعتمد على الملكة التي هي قلب الدولة. لجمع هذا العدد، لا بد أن الرجل: اقترب من أعشاش كاملة، اقتلعها من جذورها، فرّق بين ملكات وعاملات، وأعاد ترتيبها… كأنّه يفكّك مدينة ثم يحملها في جيبه. إنه عمل أقرب إلى “سرقة حضارة” منه إلى جمع حشرات. خصوصيات هذا النمل… عبقرية الصغار هذا النوع ليس عاديا: يعرف بالنمل الحاصد: يجمع البذور ويخزنها كفلاح صبور. يمتلك تقسيم عمل مذهل: جنود، عمّال، مربيات. يساهم في تهوية التربة وتحسينها، كأنه مهندس زراعي صامت. يتميز بحجمه الكبير نسبيا، ما يجعله مرغوبًا لدى الهواة. إنه كائن يعيد تشكيل الأرض… دون أن يطلب شيئا.

فهل نحت في زمن العجائب… أم زمن النهب؟ ما حدث ليس حادثة طريفة، بل مرآة لعصر غريب: نسرق فيه حتى ما لا يرى، ونحوّل حتى أكثر الأنظمة الطبيعية دقة إلى سلعة. في زمن هيئة الحياة البرية الكينية، التي تحذر من هذا النوع من التجارة، لم يعد الخطر فقط على الأسود أو الفيلة… بل على ما تحت أقدامنا. ربما، في لحظة ما، وقبل أن يغلق الحراس الحقيبة، همست نملة أخرى: “ادخلوا مساكنكم…” لكن هذه المرة، لم يكن هناك سليمان ليسمع.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *