بقلم زكية لعروسي، باريس
بينما يواصل مسؤولو الكرة السينغالية ومدربهم ونجومهم جولة إعلامية مكثفة في فرنسا، متنقلين بين قنوات “بي إن سبورتس” ومحطات “آر إم سي” و”فرانس 24″، يروون للعالم روايتهم الخاصة عن نهائي كأس أمم إفريقيا 2025، يقف المغرب بثبات الواثق من حقه، صامتا في فعله، حاضرا في روحه الوطنية التي لا تفرط في ثوابت الكرة. ما يجري هذه الأيام ليس سوى محاولة يائسة لتحويل الهزيمة الذاتية إلى “مظلومية”، ومحاولة لتلميع صورة فريق سينغالي أضاع بطولة كانت بين يديه، ليس بسبب ظلم تحكيمي، بل بسبب قرار انفعالي غير مسؤول: الانسحاب من الملعب.

لطالما كان المغرب نموذجا في الانضباط داخل المستطيل الأخضر. المنتخب الوطني، بقيادة مدربه ولاعبيه، لم يغادر الملعب أبدا، ولم يحتج على قرار تحكيمي بالانسحاب، حتى في أكثر اللحظات توترا. بينما اختار منتخب سينغال، بقيادة مدربه باب تياو، الانسحاب احتجاجا على قرار احتساب ضربة جزاء. وهذا الفعل، كما ينص قانون الاتحاد الإفريقي لكرة القدم “كاف”، يؤدي إلى اعتبار الفريق المنسحب خاسرا. القانون واضح، واللائحة لا تحتمل التأويل. فالاتحاد الإفريقي، الذي طالما اتهم بالضعف، اختار هذه المرة أن يكون حازما مع الفعل الذي يهدد سمعة الكرة الإفريقية برمتها. القرار ليس “سرقة” كما وصفه رئيس الاتحاد السينغالي، بل هو تطبيق صارم للقوانين التي تحمي مستقبل اللعبة في القارة.
الأطروحات السينغالية التي تتردد هذه الأيام، من “الاستحقاق الرياضي” إلى “الاستعداد لإعادة الميداليات”، تحمل في طياتها ازدواجية مكشوفة. كيف يمكن الحديث عن “الاستحقاق” بعد الانسحاب؟ كيف يمكن إعادة الميداليات التي لم تستلم أصلا؟الأكيد أن العالم، الذي يتابع هذه القضية، يدرك أن فريق إدريسا غي لم يهزم في الملعب، بل هزم نفسه بنفسه. والمشاهد التي أظهرت لاعبي سينغال وهم يغادرون أرضية الملعب بترتيب جماعي ستبقى في ذاكرة كرة القدم الإفريقية كأحد أغرب مشاهد الانهزامية النفسية. المغرب، الذي يستعد لاحتضان كأس العالم 2030، يقدم نموذجا مختلفا في التعاطي مع القضايا الكروية. الدولة التي تضع أسس كرة قدم حديثة، ببنية تحتية متطورة وأكاديميات رائدة، لا يمكن أن تقبل بأن يُبتز نجاحها الرياضي بمسرحية عاطفية.
المغرب اليوم ليس بحاجة إلى حملات دعائية أو تصريحات نارية. صمته حكمة، وتجرده للدفاع عن حقه عبر القنوات القانونية (قرار “كاف” الذي لا يزال قائما) هو ما يضفي على موقفه مزيدا من المصداقية. بينما يركض السنغاليون خلف الكاميرات لاستجداء تعاطف الرأي العام، يواصل المغرب بناء إرثه الكروي الكبير. إذا كان السنغاليون يرون أنهم أبطال “على أرضية الميدان”، فعليهم أن يتحملوا مسؤولية أفعالهم على نفس الأرضية. فالبطل الحقيقي لا يغادر الملبد. والبطل الحقيقي يحترم قانون اللعبة وجماهيره.
المغرب، وكل المغاربة، على يقين بأن “العدل أساس الملك”، وأن ما أخذ بالقانون لا يسترد بالشعارات. الكأس في مكانها الطبيعي، والقرار في مكانه القانوني، أما الضجيج الإعلامي فسينتهي كما تبدأ كل العواصف في فنجان. سيبقى المغرب، بقوته المؤسساتية وانضباطه الرياضي، نموذجا يحتذى به في قارة تبحث عن الاستقرار والجدية في لعبة الأمة الأولى.
📲 Partager sur WhatsApp