بقلم زكية لعروسي، باريس
في مدينة تعلّمت كيف تخفي جراحها خلف واجهات من نور، تفتح الأبواب هذه المرّة لا لاستقبال الزائرين… بل لتفتيش الذاكرة. هكذا، دخلت يد التحقيق إلى أروقة بلدية باريس ، لا بحثا عن أوراق فقط، بل عن إجابة لسؤال أكثر إيلاما: هل يمكن أن تختلط قداسة الذكرى بحسابات السوق؟ القضية، في ظاهرها، تقنية: صفقة عمومية بقيمة مليون ونصف يورو، شركة نسند إليها تنظيم مراسم إحياء عشرية هجمات 15 نوفمبر بباريس، وشكوك حول مدى احترام القواعد. لكن في عمقها، المسألة أبعد من دفتر شروط أو توقيع إداري. إنها تمسّ تلك المنطقة الرمادية حيث تتقاطع الدولة مع الذاكرة، وحيث يتحوّل الحزن الجماعي إلى حدث منظّم… قابل للتعاقد. يقول المثل الشعبي: “اللّي ما عندو كبير، يشريلو كبير” لكن ماذا يحدث حين يصبح “الكبير” نفسه موضوع مساءلة؟
السلطة، أيّ سلطة، لا تقاس فقط بقدرتها على التسيير، بل بقدرتها على الحفاظ على المسافة الأخلاقية بين ما هو مقدّس وما هو نفعي. وهنا تكمن الإشكالية. حين تنظَم ذكرى مأساة بحجم هجمات باريس، فإننا لا ندير حدثا عاديا، بل نعيد بناء سردية وطنية، نعيد ترتيب الألم في قالب قابل للعرض، نحوّل الفاجعة إلى طقس. لكن الطقس، حين يدخل عالم الصفقات، يخاطر بأن يفقد شيئا من روحه. لو استحضرنا ميشال فوكو لربما رأى في هذه الواقعة مثالا على ما سمّاه “تقنيات السلطة”، حيث لا تمارس الهيمنة فقط بالقوة، بل أيضا بتنظيم الذاكرة، بتأطير الحداد، بتحديد كيف نتذكّر. فمن يملك تنظيم الذكرى…يملك، جزئيا، التحكم في معناها. لكن السياسة، كما علّمنا نيكولو ميكيافيلي، ليست عالما بالنيات الطاهرة فقط، بل ميدان تتصارع فيه الضرورة مع الأخلاق. قد يقول قائل: الدولة تحتاج إلى خبرات، إلى شركات، إلى تنظيم احترافي. وهذا صحيح. لكن بين “الاحتراف” و”الاستغلال” خيط رفيع، أو كما نقول في المثل: “الشعرة التي تقسم ظهر البعير.”

توقيت العملية يضيف بعدا آخر للسرد. تفتيش يأتي بعد أيام قليلة من تولّي عمدة جديد مهامه، إيمانويل غريغور، في حين تعود جذور القرار إلى عهد سلفته آن هيدالغو. كأن الزمن السياسي لا يسير في خط مستقيم، بل يعود دائما ليفتح دفاتر الأمس… في وجه الحاضر. هنا، يتحوّل الحدث إلى ما يشبه مشهدا غرائبيا: مدينة تحيي ذكرى ضحاياها، وفي الوقت نفسه تستجوب حول كيفية إحياء تلك الذكرى. حداد رسمي… تحت مجهر القانون. ذاكرة وطنية… على طاولة التحقيق.
قد تثبت التحقيقات سلامة الإجراءات، وقد تكشف عن خلل أو تجاوز. لكن الأهم من النتيجة… هو السؤال الذي فتح. سؤال يهمّ كل المجتمعات الحديثة: كيف نحفظ قداسة الألم في عالمٍ يُحوّل كل شيء إلى ملف إداري؟ يقول مثل آخر: “اللي فات مات، واللي جاي على الله” لكن الذاكرة لا تموت، بل تتغيّر، تعاد صياغتها، تعاد مساءلتها. وفي هذا الامتحان، لا تحاسب فقط الإدارات…بل تحاسب الطريقة التي نفهم بها أنفسنا، ونكرّم بها مآسينا. ربما ليست القضية مجرد صفقة، بل مرآة. مرآة تعكس سؤالا أكبر: هل ما زلنا نفرّق بين ما يشترى…وما يجب أن يبقى خارج السوق؟
📲 Partager sur WhatsApp