السياسة تحت الماء وفن التحالفات والمكر

زكية لعروسي, باريس

تأمل لحظة, قارئي الكريم, ذلك الكائن العجيب الذي أطلق عليه البحارة اسم “السرطان الملاكم” أو “فتاة البوم بوم”. إنه لا يحمل في كفيه قبضتين من حديد، بل يحمل كائنا حيا نابضا: شقائق نعمان بحرية، لاذعة كالصاعقة، يستخدمها كسلاح ودرع في آن واحد. هذا ليس مجرد كائن يتغذى، بل هو سياسي ماهر يقيم “تحالفا دفاعيا” مع عدو لدود لو كان في عالم البشر. فشقائق النعمان، تلك الكائنات الثابتة التي تنتظر الفريسة، تجد نفسها فجأة تتحرك على أرجل سرطانها، فتصل إلى طعام جديد. وفي المقابل، يحصل السرطان على حارسه الشخصي الذي يصعق أي فضولي يقترب .

هنا، في أعماق المحيط، تتحقق معادلة “الغاية تبرر الوسيلة” دون حروب أو تدمير. إنها السياسة بنسختها “الماكيافيلية” النقية: ائتلف مع من يؤذيك لتصبح أقوى. في التاريخ البشري، نحن نحتاج إلى معاهدات ومواثيق وأمم متحدة لتحقيق ما فعله السرطان بغريزته. لكن الفارق المذهل أن تحالف السرطان مع عدوه اللذود هو نموذج من “السياسة التبادلية” التي تخلو من الغدر البشري.

لم يكن الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا ليهتم بقصة سرطان لو كان الأمر مجرد عجب بيولوجي. لقد ابتكر دريدا مفهوما ثوريا أسماه “الزووبوليتيك” (Zoopolitique)،أي السياسة الحيوانية، لينقض به الفكرة الأرسطية التي جعلت من الإنسان “حيوانا سياسيا” بامتياز . يقول دريدا: توقفوا عن التظاهر بأن السياسة هي شأن إنساني بحت، لأن الوحشية التي نخافها في الحيوانات هي بالضبط ما نمارسه في حروبنا ودولنا الحديثة. عندما يصرخ القائد “أنا وبعدي الطوفان”، فهو يتصرف بغريزة  “السيطرة على المنطقة” تماما مثل ذكر الغوريلا الذي يطرد أي منافس. لكن الفرق أن الغوريلا تفعل ذلك للبقاء، بينما يفعلها الإنسان ليخلِّد اسمه على أنقاض العالم.

المفارقة التي أثارت حفيظة الفلاسفة المعاصرين مثل بريان ماسومي هي أن الحيوانات تمارس “السياحة الناعمة” في السياسة. فالأسد الذي يفترس لا يشعر بالذنب الأبدي، والنحلة التي تنتج العسل لا تستعبد النحلات الأخريات باسم “الاقتصاد الحر”. بينما الإنسان، الذي يملك اللغة والعقل، استخدمهما لابتكار “النفاق السياسي” . إننا نخفي مكائدنا تحت أقنعة الإديولوجيات، بينما الحيوانات، على حد تعبير بعض الباحثين، تعلن عن “تحالفاتها” بوضوح ودون مواربة .

يقول المثل العربي الشعبي: “أنا واخويا على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب”. هذه هي قمة المرونة السياسية! إنها ذات الآلية التي نراها في عالم الأسماك، وتحديدا أسماك “السيكليد” الإفريقية. هذه الأسماك، التي قد تقتتل على الطعام، تتحد فورا كجبهة واحدة عندما يظهر مفترس خارجي . هذا هو التحالف التكتيكي المحض. أما المثل الآخر القائل “خليك حنك” (أي تظاهر بالغباء)، فهو ليس مجرد نصيحة أخلاقية، بل هو استراتيجية البقاء عند “سمكة الجوبي” التي ترافق الجمبري. الجمبري يحفر الجحر (أي “البيت”) والسمكة تحرس الباب. هنا، لا كرامة ولا أنانية، مجرد عقد اجتماعي صامت. لكن عندما ننظر إلى السياسة البشرية، نجد أننا حولنا هذا النموذج إلى “ولاءات معقدة” نخون فيها الحليف بمجرد أن نشم رائحة ضعف.

لنعد قليلا إلى تراثنا. الفارابي، الفيلسوف الإسلامي الكبير، تحدث عن “المدينة الفاضلة” التي يسودها التعاون. لكنه، في سريرته، كان يعلم أن الإنسان هو الحيوان الذي يصعب ترويضه. بينما عالم النحل، الذي استشهد به الفارابي كثيرا، يعمل بنظام ملكية شبه جماعية لا تعرف الكسل أو التزوير الانتخابي. الحقيقة الصادمة التي توصلت إليها البيولوجيا الحديثة هي أن النحل لا يمارس “سياسة الكراسي”. لا توجد حملات انتخابية ضارية في الخلية. بينما الإنسان، منذ أيام أرسطو الذي قال “الإنسان حيوان ناطق”، نحن لم نتوقف عن استخدام هذه “النطق” لتبرير الحروب باسم السلام، وقتل الملايين باسم الحرية. لقد استبدلنا “غريزة البقاء” بـ “شهوة السلطة” .

إذا كان توماس هوبز يرى أن حياة الإنسان في حالته الطبيعية كانت “وحشية وقصيرة”، فإن ما نراه اليوم هو أن الإنسان في حالته المتحضرة أصبح أكثر دهاء ووحشية من أي حيوان. الحيوان يعلن عداوته مباشرة أو يتحالف بشكل واضح. أما الإنسان، فيغدر تحت ستار الحضارة، ويطلق الصواريخ تحت مسمى “الحلف الأطلسي”، ويدمر الشعوب باسم “التحالفات الإنسانية”.

إن السياسة التي نفتقدها اليوم، والتي تمارسها الحيوانات ببراءة، هي سياسة الصدق مع الذات. السرطان الملاكم لا يدعي أنه يحب شقائق النعمان، إنه يحتاجها فقط. ولو كان هذا السرطان سياسيا بشريا، لكان أقنع شقائق النعمان بأن هذه الشراكة هي “قدر مشترك” أو “حلم تاريخي”، بينما هو في الحقيقة يستخدمها كدرع بشري. “أنا وبعدي الطوفان” ليست شعار دكتاتور، بل هي غريزة حيوانية بحتة، لكن الحيوان يطلقها فقط عندما يريد أن ينام بأمان، بينما الإنسان يطلقها ليدمر بيئة غيره. في عالم السياسة المعاصر، علينا أن نعلم من السرطان: التحالف مع من هو أقوى منا ليس عارا، ولكن يجب أن نحذر أن يكون هذا التحالف على حساب غرائزنا. فالحيوان لا يخون غريزته، بينما الإنسان خان عقله وغرائزه في آن معاً.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “السياسة تحت الماء وفن التحالفات والمكر

  1. التاريخ المعاصر يؤكد ما ذهب إليه هوبز: الإنسان ذئب لأخيه الانسان. هو ما تشي به الفلسفة البرݣماتية وبعدها الماكياڤيلية. واليوم تتكلم بها فلسفة الأنوار المظلمة: لا معنى القيم ولا تحالفات دائمة، الديموقراطية والدولة الوطنية وحقوق الإنسان أكذوبة عصر الأنوار ومفكريه. العقل السياسي المعاصر يتكلم لغة القوة والهيمنة على الأرض والممرات البحرية بعين لا ترى الانسان، فقط عين السارق على مصادر الطاقة وطرق مرورها ، مع اليقظة في المراقبة والحراس. بآخر ما أنتج من الآلة الحربية النووية. النووي لي، أما أنت فلا. لأن السر يكمن في امتلاك هذه التقنية سر القوة والهبمنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *