السياسة والسياسي: بين المسؤولية و القانون

بقلم زكية لعروسي. باريس

حين يخرج إسم نيكولا ساركوزي من دهاليز الحكم إلى أروقة القضاء بطريقة متكررة، لا يكون الحدث مجرد خبر في نشرة باردة، بل يتحول إلى مرآة عميقة تعكس مأساة إنسانية قديمة: مأساة من يقترب أكثر من اللازم من نار السلطة. السياسة، كما وصفها حكماء العرب،”مضغة إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت أفسدته”، لكنها عند اليونان، منذ أفلاطون، كانت اختبارا للروح قبل أن تكون إدارة للمدينة. بين هذين المعنيين، تتولد تلك اللعنة التي لا ترى، لكنها تحسّ، كريح باردة تمرّ على أعناق من جلسوا يوما على عروش القرار.

ما الذي يحدث إذا؟ رجل أفنى سنوات من عمره في خدمة الدولة، حمل أثقالها، وذاق نشوة القرب من مركز العالم، ثم يجد نفسه لاحقا محاطًا بالأسئلة، بالملفات، وبقضاةٍ يفتشون في تفاصيل حياته كما يفتش العرّاف في خطوط الكف. أهو ثمن السلطة؟ أم هو انكشاف متأخر لحقيقة كانت كامنة منذ البداية؟ يقول الحكماء: “من دخل دار السلطان، خرج منها إما مهيبا أو مكسورا.” لكن الواقع أكثر قسوة؛ فكثيرون يخرجون منها محمّلين بظلال الشبهات، لا لأنهم وحدهم أخطأوا، بل لأن السياسة نفسها مجال يخلط بين النية والمصلحة، بين الخدمة والطموح، بين الواجب والرغبة.

في القصة التي بين أيدينا، انتهى التحقيق بـ”عدم وجود جريمة”. عبارة قانونية جافة، لكنها لا تمحو السؤال الفلسفي: لماذا تتكرر هذه الرحلة؟ لماذا يصبح السياسي، بعد أن يغادر السلطة، كمن يسير في حقل ألغام خفي؟ ربما لأن السياسة ليست مهنة عادية، بل تجربة وجودية. إنها، كما قال أرسطو، “فن الممكن”، لكنها أيضا فن التنازل، وفن الصمت، وفن عقد الصفقات التي لا تروى كلها. هنا، يبدأ التوتر بين الأخلاق والواقعية، بين المثال والضرورة. وما إن يغادر السياسي موقعه، حتى تفكك هذه التوازنات، ويعاد النظر في كل خطوة، وكأن الزمن نفسه صار قاضيا.

أما في الحكمة الشعبية، كما تقول أمي خيرة “الخلطة تربي والجرب يعدي”… أي أن الأصل الصالح قد ينقذ، لكن الرياح الخارجية لا ترحم. والسياسة، في عالم اليوم، هي تلك الرياح العاتية التي لا تترك أحدا دون اختبار. هل هي إذا لعنة؟ أم اختيار واع بالدخول إلى لعبة يعرف أصحابها أنها لا تنتهي بخروج نظيف دائما؟ ثمة من يرى أن الدافع هو “الحب الجنوني للسياسة”، ذلك الإدمان على التأثير، على الحضور، على القدرة على تغيير مسار الأشياء. وثمة من يهمس بأن الطمع، لا بالمعنى الساذج، بل بطمع المعنى: طمع أن يكون الإنسان أكثر من مجرد فرد، أن يصبح حدثا في التاريخ. لكن التاريخ، كما علّمنا ابن خلدون، لا يرحم. فهو يعلي ثم يُسقط، يرفع ثم يُمتحن، ولا يُبقي لأحد امتياز الحصانة الأبدية.

في السياسة, ليست المسألة في براءة أو إدانة، بل في هذا المصير المتكرر: رجال ونساء يدخلون السياسة حاملين مشاريع، ويخرجون منها حاملين أسئلة. وبين الدخول والخروج، تتشكل تلك اللعنة الهادئة، التي لا تكتب في القوانين، لكنها تسكن في ذاكرة الشعوب. فهل السياسة قدر جميل بثمن باهظ؟ أم فخ ذكي يلمع كالذهب، لكنه يترك في الروح خدشا لا يزول؟

One thought on “السياسة والسياسي: بين المسؤولية و القانون

  1. فجر نظام النظام السياسي القدافي، فكانت النعلة، الخروج من قصر الإليزي بدون أسنان ليجوب سزاديب المحاكم في ارذل العمر. من رئيس دولة إلى رجل سجون بتهم لا نسمع بها إلا عن رجالات المافيا !!!! غريب أمر السياسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *