في تخوم الشرق المغربي، حيث تلتقي الجهات الأربع وتتصافح الأزمنة، تمتد جهة الشرق لا كرقعة جغرافية صامتة، بل ككائن حيّ تختزن تضاريسه ذاكرة الإنسان الأولى، وتتنفس تربته بقايا الحلم الإنساني القديم. هنا، لا يقاس التاريخ بالسنوات، بل بالطبقات، ولا يقرأ بالمخطوطات وحدها، بل بالحجارة، والعظام، والرسوم، وبالصمت الكثيف الذي يوشوش بأسرار آلاف السنين.
إن الشرق المغربي ليس مجرد مجال ترابي، بل متحف مفتوح على اللانهاية، تتجاور فيه الكهوف مع السماء، وتتحاور فيه الصخور مع الإنسان الأول. فمنذ أن وطئت قدم الإنسان البدائي هذه الأرض، وجد فيها ملاذا وموطنا، فاستقر بها، ونحت أدواته، ودفن موتاه، وترك بصمته الأولى على جدار الوجود.
في كهوف تافوغالت، كهف الحمام، لا يدخل الزائر مكانًا، بل يعبر بوابة زمنية. هناك، حيث ترقد أقدم نيكروبولا إيبيروموريسية في شمال إفريقيا، تصطف الهياكل البشرية كأنها حراس الذاكرة، شاهدة على أولى محاولات الإنسان لفهم الموت، والجسد، والروح. خرزات Nassarius الملطخة بالمغرة الحمراء ليست مجرد زينة، بل رسائل رمزية، أولى أبجديات الجمال والاعتقاد، تعود إلى أكثر من إثنين وثمانين ألف سنة. وفي عمق التراب، نبتت أولى الصيدليات البشرية، حيث كشفت الاكتشافات الحديثة عن أقدم استعمال طبي للنباتات في تاريخ الإنسانية، وكأن الإنسان الشرقي كان يعالج جسده بينما يداوي روحه بالرمز.
وعلى امتداد الهضاب العليا، جنوبًا، ترتفع الرسوم الصخرية كأناشيد حجرية من زمن مطير، زمن كانت فيه الفيلة والزرافات والثيران البرية تجوب فضاءات لم تعرف بعد قسوة الجفاف. تلك النقوش ليست زخرفا بدائيا، بل شهادات بصرية على تحولات المناخ، وعلى انتقال الإنسان من الصيد إلى الرعي، ومن الترحال إلى تنظيم المجتمع، ومن الطبيعة إلى الثقافة.
ثم تأتي المرحلة الممهدة للتاريخ، كفجر خافت بين ليل ما قبل التاريخ وضوء الكتابة. هنا، تنهض التلال الجنائزية، الدولمنات، التومولي، البازينات، كعمارة صامتة للخلود. قبور لا تشبه غيرها في شمال إفريقيا، بهندسة فريدة، واتجاهات مدروسة، وملحقات طقسية توحي بأن الموت لم يكن نهاية، بل عبورا.
إنها ذاكرة بلا كتابة، لكن بحجارة أفصح من الكلمات، تحكي عن مجتمعات زراعية رعوية، عن هجرات، وعن اندماج ثقافات، وعن شرق مغربي كان دائما فضاء عبور لا جدار صدّ.
وحين تطل الحضارات التاريخية من الضفة المتوسطية، نجد الفينيقيين والقرطاجيين والرومان يتركون آثارهم في الشمال، خاصة في روسادير (مليلية القديمة)، حيث يتجسد الشرق المغربي كحلقة وصل بين المتوسط وعمقه الإفريقي. أما الجنوب، فيبقى لغزا، فراغا أثريا يستفز الأسئلة، ويغري الباحثين، وكأن الأرض هناك ما زالت تخبئ سرّها الأكبر.
وفي العصور الوسطى وما بعدها، تتلبد السماء بالأحداث؛ صراعات، تحولات، قيام وسقوط، لكن الأرض تحتفظ بأثر كل ذلك، من عمران، ومواقع، وبقايا صناعية واستعمارية، تضيف طبقة جديدة إلى هذا السجل الحجري الهائل.
إن الشرق المغربي هو نقطة التقاء الذاكرة المحلية بالتيارات المتوسطية والشرقية والصحراوية، وهو مثال نادر على تمازج ثقافي عميق صنع هوية لا تشبه سواها. هو مجال لا يختزل في الهامش، بل في القلب، قلب التاريخ الإنساني الطويل.
واليوم، تقف هذه الكنوز المادية على عتبة العصر الرقمي، تنتظر أن تبعث من جديد عبر الخرائط الأثرية، والمنصات الرقمية، والتقنيات الحديثة، لتغادر صمت الأكاديميا وتخاطب العالم. فخريطة وجدة الأثرية ليست مجرد وثيقة علمية، بل وعد بمعرفة لم تكتمل بعد.
إن من يتأمل الشرق المغربي، لا يرى ماضيا منقضيا، بل مستقبلا معرفيا مفتوحا. فهذه الأرض لم تقل كلمتها الأخيرة بعد، وما زالت طبقاتها السفلى تنبض بأسرار ستعيد كتابة فصول من تاريخ الإنسان. هنا، في الشرق، يبدأ السؤال… ولا ينتهي الجواب.

مقال رائع سلط الضوء على تاريخ هذه المنطقة الذي لم يبعث بعد كي تعرفه الأجيال القادمة
مقال جدير بالقراءة تسلط من خلاله الأستاذة نزهة بودهو الضوء على شرق المغرب بوصفه مجالًا حضاريًا حيًّا تختزن تضاريسه ذاكرة الإنسان منذ عصور ما قبل التاريخ، متجاوزًا النظرة الجغرافية الضيقة نحو مقاربة أنثروبولوجية وأثرية تجعل من المواقع والكهوف والرسوم الصخرية شواهد على تحولات الإنسان البيئية والاجتماعية والثقافية.
وقد استعملت الكاتبة لغة تصويرية جذابة تمزج بين البعد العلمي والنفَس الأدبي، ما يمنح المقال قوة سردية وتأثيرًا وجدانيًا واضحًا نجحت من خلاله الأستاذة في إعادة تموقع الشرق المغربي باعتباره فضاء عبور وتفاعل حضاري في قلب التاريخ الإنساني، ويدعو إلى تثمين تراثه ورقمنته وإدماجه في المشاريع المعرفية المعاصرة.
الشكر الجزيل للأستاذة بودهو، فهي تساهم بشكل كبير في تسليم الضوء على تاريخ المنطقة الشرقية للمغرب و أهميتها في تاريخ المغرب.
وفقكم الله على هذه المجهودات الجبارة للنهوض بهذا البحث العلمي المتميز كما اهنئكم على المجلة الرائعة
بالتوفيق
بكل اعتزاز وتقدير نشيد بالمكانة العلمية التي تحتلها الاستاذة الجامعية الباحثة وعالمة الاثار نزهة بودهو بكلية الاداب بوجدة وما تميزت به من حضور معرفي جاد واسهامات بحثية نوعية في مجال الاركيولوجيا خاصة في ما يتصل بذاكرة الشرق المغربي وعمقه الانساني والحضاري.
أن اعمالكم العلمية المتجليةفي هذا المقال تعكس رؤية وقراءة عميقة للمعطى الاثري الذي يلتقي فيھ التحليل العلمي بالبعد الانساني في اسلوب رصين قادر على اعطاء للمكان والتاريخ بعدهما الدلالي والمعرفي.
ان حضوركم الفاعل في الندوات واللقاءات الاكاديمية يشكل اضافة حقيقية لهذا الحقل المعرفي ويساهم في ترسيخ الوعي باهمية التراث المادي ودوره في فهم تاريخ الانسان.
وفي ھذا الاطار أتقدم لكم بكل فخر بالتهنئة على مساركم العلمي المتميز وعلى التقدير الذي تحظون به لدى الباحثين والمهتمين.
مع خالص الاحترام لما تبذلونه من عمل جاد متواصل
الشرق المغربي هو منطقة تلاقح ثقافي يتميز بعدة مؤهلات ثقافية وطبيعية وأثرية شاهدة على عمق تاريخه. يزخر بالعديد من المواقع الأقرية التي ساهمت في إبرازها وتنقيبها الأستاذة المتألقة، الدكتورة نزهة بودوهو، التي أعطت الشيء الكثير للبحث الأثري في مجمل المنكقة الشرقية. أتمنى لها بهذه المناسبة المزيد من التوفيق والتألق.
مقال رائع ركز على الدور الهام للمنطقة الشرقية في التاريخ المغربي والتي ما زالت تحمل خبايا وأسرار ستغني البحث التاريخي مستقبلا.
مقالٌ قيّم ومتين علميًا، سلّط الضوء بعمق ووضوح على غنى التراث بشرق المغرب وأبعاده التاريخية والثقافية. الشكر الجزيل للأستاذة الكريمة على هذا العمل الرصين الذي يعكس جهدًا بحثيًا واضحًا وحرصًا صادقًا على تثمين التراث المحلي والتعريف به. إسهامٌ علمي مهم يضيف الكثير للمكتبة الثقافية ويستحق كل التقدير والاحترام.
مقال سلطت فيه الاستاذة الكريمة نزهة بودهو الضوء على تاريخ المنطقة الشرقية المليء بالغموض وفقكم الله أستاذتي الكريمة وجزاكم عنا خير الجزاء على هذه المجهودات الجبارة
المهوم الأساس في هذا المقال هو مفهوم ” الترابي”, وقد ارتبط بفهوم “المجال”. صحيح أنه يتعين الوقوف على الدلالة القوية لهذين المفهومين من خارج الفهم الإداري، لكي نستمع لما تهمس لنا به الأرض وخاصة أرض تربة مسقط الرأس. لنتذكر أن لا معنى للمجال أو للتراب في انفصال عن الإنسان، ذاك الكائن النباتي الذي لا يستقيم وجوده ولا إقامته، إلا في تعالق وانفتاح دائم على الجذور الموغلة في تلك التربة باعتبارها مسقط الراس. وهي كذلك لأنها تهمس من خلال ما يوجد فوقها من حجر وشجر ونباتات ومعمار وأسلوب في الحياة أو نمط في الإقامة، وكل ما أبدعته يد هذا الكائن التاريخي، من فنون وحكايات,,, أو ما هو متخف في بطنها مقاوما قوة الزمن التخريبية، من لقى، تهمس بإظهارها للكيفية التي أشهد بها الإنسان التاريخي عن نمط إقامته ومروره فوق تلك الأرض. لنفكر في التراب والارض والمجال بهذا المعنى الأنطولوجي. ذلك أن لا معنى للمجال خارج المادي واللامادي الذي أبدعته يد الإنسان. خاصة ونحن نتابع بألم شديد ما يحصل لذكاء هذه اليد الإبداعية في هذا الزمن الضنين، زمن التقنية.
مقال رائع من دكتور. والباحثة وعالمة الاثار بودهو نزهة التي اهتمت في هذا مقال للحديث عن التاريخ الجهة الشرقية ودور الانسان القديم بالجهة الشرق ودوره المهم في كتابة التاريخ القديم .وتعريف بأهمية الجهة الشرقية من ناحية التاريخية كجهة لها بعد حضاري قديم
عامل رائع جدا استاذتي الفاضلة، ويستحق القراءة و التعمق في كلماته ، ففي كل كلمة معنى لا يفهمه إلا الذي لديه غيرة على تاريخ الجهة الشرقية. التي نسيت من الذاكرة. لكن مادام هناك علماء آثار مثلك ، فالمغرب الشرقي لن ينسى أبدا من ذاكرة الباحث الغيور.
بالفعل الجهة الشرقية عنية بالكنوز المعرفية الدفينة،والدكتورة بودهو لها نصيب كبير في التعريف بهذا التراث المادي و الغير مادي، بالرغم من الصوعوبات الكثيرة التي تواجهها،هنيئا لها بالاصدارات الاخيرة المتميزة.
مقال جميل
مقال ألأستاذة وعالمة الآثار بودهو نزهة لا يعد فقط مقال كباقي المقالات بل هو دليل اثري تعريفي لمأثر منطقة الشرق المغربي المادية، ليس هناك توصيف أحسن مما تقدمت به الاستاذة فقد طافت بنا عبر قراءتها الاثرية من شمال المنطقة الشرقية الى جنوبها ومن اقصى شرقها لغربها