بقلم زكية لعروسي, باريس
في عالم يفترض أن تقرّبه الطائرات، صار البعد يقاس بثمن التذكرة. لم تعد المسافات هي العائق، بل الأرقام التي ترتفع كحرارة صيف مبكر.منذ اشتعال الحرب في إيران 2026، لم تتأثر الجغرافيا وحدها، بل ارتجف معها اقتصاد السفر، حين قفز سعر وقود الطائرات إلى مستويات غير مسبوقة، لتجد شركات الطيران نفسها- كما يقول الاتحاد الدولي للنقل الجوي- أمام خيار واحد: رفع الأسعار… أو السقوط.
كنا نشكو من غلاء التذاكر، نقول إنها نار، لكن يبدو أن النار لها درجات… وهذه الدرجة الجديدة تلسع أكثر. المثل المغربي يقول: ” ما حدّ اليتيم يبكي… وربي يزيدو”، وكأن المسافر البسيط صار ذلك اليتيم، كلما اشتكى من الغلاء، زادت الأرقام قسوة. رحلة” كانت تخطط بفرح، صارت تحسب بالحذر، والعطلة التي كانت متنفسا… تحوّلت إلى معادلة مرهقة. هل انتهى زمن السفر؟ ليس تماما. الناس لن تتوقف عن السفر، كما لم تتوقف من قبل. لكنها ستغيّر طريقتها: رحلات أقصر, جهات أقرب وربما أحلام مؤجلة

وكأن الإنسان يتعلّم، مرة أخرى، أن يتكيّف… لا أن يستسلم. من السماء إلى الأرض المفارقة أن الطائرات ستستمر في الطيران، لكن بعض الأحلام ستبقى على الأرض. فمن كان يسافر بحثا عن الراحة، قد يجد نفسه اليوم يبحث عن بديل: شاطئ قريب بدل قارة بعيدة، لقاء عائلي بدل مغامرة طويلة. وهنا يتسلل سؤال هادئ لكنه عميق: هل كنا نسافر لنرتاح… أم لنهرب؟
التاريخ يعلّمنا أن الأزمات لا تدوم، حتى تلك التي تشبه هجمات 11 سبتمبر، التي شلّت السفر يوما، لم تمنع عودته. الإنسان، بطبيعته، كائن رحّال. قد تثقل كاهله التكاليف، لكن لا شيء يطفئ رغبته في الاكتشاف. نعم، الأسعار ترتفع. نعم، السفر صار أصعب. لكن الأمل لا يقاس بثمن التذكرة. ربما لن نسافر كما كنا، لكننا سنتعلم كيف نسافر بذكاء، كيف نصنع عطلتنا حتى في أبسط الظروف. وكما يقول المغاربة: “الضيق كيدوز… والحال ما كيدوم”. فالعطلة ليست فقط مكانا نذهب إليه، بل حالة نخلقها… حتى وإن بقيت الطائرة بعيدة.

ارتفاع السعر مس سوق الخضر بشكل لا سابق له، إلى درجة أنني سألت خضارا، عن ثمن البصل الذي لا يستورده البلد، كيف تفسر الارتفاع. رد علي الجواب هو ما يحدث في الشرق الأوسط. وهو يعني بذلك سعر البنزين الذي إسمه على مسمى: المحروقات. وهي فعلا ما أحرق الأسعار وجيوب الناس، المسافرون والقاعدون على الأرض. الزمن يتكلم بنزين محاصر في مضيق.
وهكذا سيسافر كثير من الناس هذه الأيام في الزمن الأزرق وليس في المكان الأرضي.