بقلم زكية لعروسي، باريس
في صبيحة يوم أحد لا يشبه غيره، حل وفد من وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج بمطار الحسن الأول في مدينة العيون. ليسوا سياحا، ليسوا مراقبين، ليسوا مترددين. هم طلائع زيارة ستكتب بأحرف من نور على جبين الصحراء المغربية. فغدا، أو بعد غد، أو يوم الأربعاء بالتحديد، سيطأ أرض العيون ثلاثة من وزراء خارجية إفريقيا السمراء: وزير الغابون، وزير جنوب السودان، وزير ساو تومي وبرينسيب. سيرافقهم ناصر بوريطة، الوزير المغربي الذي حول الدبلوماسية المغربية من دفاع عن قضية إلى بناء إمبراطورية من التحالفات. السؤال الذي يخلخل العقول: لماذا العيون؟ لماذا الآن؟ ولماذا ثلاثة وزراء من قلب إفريقيا السمراء في مدينة كانت قبل عقود مجرد خيام في الصحراء؟
الجواب يملأ القلب فخرا والحلق زغاريد: لأن العيون لم تعد مجرد مدينة. العيون صارت عاصمة. عاصمة الدبلوماسية الإفريقية في المغرب. عاصمة لإثبات أن الصحراء مغربية قبل أن تكون رمالا، وهي مغربية بعد أن صارت مؤسسات. لنتوقف لحظة. لنتأمل. قبل خمسين عاما، كانت العيون قرية صغيرة لا تعرفها الخرائط إلا كاسم. كانت الخيام بيوتا، والجمال وسائل نقل، والرمال عنوانا. ثم جاءت المسيرة الخضراء. ثم جاءت الوحدة المباركة. ثم جاءت التنمية. ثم جاء الاعتراف. واليوم، في 12 أبريل 2026، تستعد العيون لاستقبال وزراء خارجية ثلاث دول إفريقية. ليس في خيام، بل في قاعات مؤتمرات. ليس على ظهور الجمال، بل على متن طائرات. ليس بالقهوة العربية فقط، بل باتفاقيات اقتصادية وتنموية توقع باسم التعاون جنوب-جنوب.

إنها فلسفة التاريخ تعيد نفسها: الأمس كنا نستقبل القوافل التجارية. اليوم نستقبل القوافل الدبلوماسية. الأمس كنا نتبادل الملح والذهب. اليوم نتبادل الرؤى والمصالح. الأمس كانت الصحراء ممرا. اليوم الصحراء وجهة. سؤال فلسفي: هل يمكن لقطعة من الأرض أن تنتظر خمسين عاما لتثبت لمن يشك أن لها قلبا ينبض؟ وهل يمكن للرمال أن تصبح أوراق اعتماد دبلوماسية؟
الغابون. جنوب السودان. ساو تومي وبرينسيب. ثلاث دول لا تجمعها جغرافيا واحدة، لكن يجمعها قرار واحد: المجيء إلى العيون. ليس إلى الرباط، وليس إلى الدار البيضاء، بل إلى عاصمة الأقاليم الجنوبية. هذا هو الدرس الذي لا يفهمه إلا من يتقن قراءة الخرائط السياسية. الغابون، ذلك البلد الغني بالنفط والغابات الاستوائية، بعثت وزير خارجيتها لتقول: “نحن مع المغرب في صحرائه”. جنوب السودان، أصغر دولة في العالم وأحدثها، تبعث برسالة إلى العالم: “الاعتراف بالصحراء المغربية ليس انتظارا، بل إدراكا للحقيقة”. وساو تومي، تلك الجزر الصغيرة في خليج غينيا، تثبت أن الحجم لا يعني شيئا عندما يتعلق الأمر بالمواقف.
اللافت أن هؤلاء الثلاثة لم يأتوا وحدهم. جاءوا مع بوريطة. ذلك الرجل الذي استطاع أن يحول وزارة الخارجية المغربية إلى ماكينة لصنع الحلفاء. بوريطة، الذي جاب القارة الإفريقية شرقا وغربا شمالا وجنوبا، يعرف جيدا أن مفتاح العيون يبدأ من ليبيرفيل وجوبا وساو توميه. سؤال يحير القارئ: كيف يمكن لوزير واحد أن يكون في كل مكان في نفس الوقت؟ أم أن السيد بوريطة ليس رجلا، بل مدرسة في الدبلوماسية؟ مدرسة اسمها “المغرب أولا، إفريقيا ثانيا، والعالم كله بعد ذلك”؟
الزيارة ليست استعراضا بروتوكوليا. خلف الكواليس، هناك برنامج اقتصادي طموح. قطاعات ذات اهتمام مشترك. تنمية. استثمارات. شراكات. الكلمات تبدو تقنية، لكنها تحمل في جوهرها ثورة حقيقية. لأن ما يحدث في العيون ليس مجرد لقاء وزراء. هو إعادة تعريف لمفهوم “التعاون جنوب-جنوب”. لم يعد هذا المفهوم مجرد شعار ترفعه المؤتمرات. صار واقعا يكتب في مدن مغربية نائية، بعيدا عن أضواء الرباط والدار البيضاء. العيون اليوم تحتضن لقاءات ستقرر ربما مستقبل قطاع الزراعة في جنوب السودان، أو قطاع الصيد في ساو تومي، أو قطاع المناجم في الغابون. العيون اليوم صارت قبلة للدبلوماسية الاقتصادية الإفريقية.
وهنا تبرز روعة الديبلوماسية الملكية: جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، لم يكتف بأن جعل من المغرب بلدا مستقرا وآمنا. بل جعل من الصحراء المغربية ورشا تنمويا مفتوحا على إفريقيا. كل مشروع في العيون، كل مؤسسة في الداخلة، كل ميناء في بوجدور، هو رسالة إلى العالم: “هذه أرضنا، ونحن نفتحها لكم. تعالوا نبن معا”. السؤال الأعمق: لماذا ينجح المغرب في إفريقيا بينما يفشل آخرون؟ هل لأن المغرب يملك تاريخا؟ أم لأن المغرب يملك رؤية؟ أم لأن المغرب يملك ملكا يجعل من كل قطعة تراب مغربية ورشة لإثبات الذات؟
لا يمكن الحديث عن هذه الزيارة دون التطرق إلى “الفيل في الغرفة”. ملف الصحراء المغربية. ذلك الملف الذي استنزف الدبلوماسية المغربية عقودا، وتحول اليوم إلى ورقة رابحة. الزيارة ستتناول “تطورات ملف الصحراء” و”النزاع المفتعل”. العبارات دبلوماسية، لكن المعنى واضح: هذه الدول الثلاث تعترف بسيادة المغرب على صحرائه. وهي تأتي إلى العيون لتقول ذلك علنا، وبحضور الإعلام، وبحضور التاريخ. لنتذكر. قبل سنوات، كان الحديث عن الصحراء المغربية يثير حساسيات. اليوم، أصبح الحديث عن “الحل الوحيد” تحت السيادة المغربية. ماذا تغير؟ تغيرت الدبلوماسية المغربية. تغيرت السياسة الملكية. تغيرت إفريقيا نفسها.
فالمغرب، بقيادة جلالة الملك، لم ينتظر اعتراف العالم به. ذهب إلى العالم. بنى مساجد. مد طرقا. أقام مستشفيات. أرسل أئمة. دعم تعليما. وبعد كل هذا، جاء الاعتراف طواعية، ليس استجداء بل اقتناعا. لماذا يخاف البعض من الحقيقة؟ ولماذا يصعب على بعض العواصم البعيدة أن تقبل أن الصحراء كانت وستظل مغربية؟ هل لأنهم لم يقرؤوا التاريخ؟ أم لأنهم يقرؤونه بطريقتهم الخاصة؟
، لا بد من كلمة عن الوطنية. ليس الوطنية الشعاراتية التي ترفع في الميادين، بل الوطنية الصامتة التي تبني دولة ما يحدث في العيون هو تجسيد حقيقي لهذه الوطنية. أهالي الصحراء، الذين كانوا قبل عقود يعيشون على الكرم والضيافة، أصبحوا اليوم أصحاب قرار ومستثمرين ومسؤولين. استقبلوا الوفد الدبلوماسي في مطارهم. في مدينتهم. في عاصمتهم. وهذا هو سر قوة المغرب: ليست الأسلحة، وليست الأموال، بل الوحدة الوطنية. صحراويون من العيون وداخلة وبوجدور والسمارة، مع أطلسيون وريفيون وشرقيون وسوسيون، الكل يقول كلمة واحدة: “الصحراء مغربية”.
وهذا هو ما سيشعر به وزراء الغابون وجنوب السودان وساو تومي عندما يطأون أرض العيون. سيشعرون بأنهم ليسوا في مدينة محتلة أو متنازع عليها، بل في مدينة مغربية بكل ما تحمل الكلمة من معنى. فيها الأمن، فيها التنمية، فيها الاستقرار، فيها المستقبل. سؤال يملأ القلب حرارة: كيف يمكن لرمل أن يتحول إلى وطن؟ وكيف يمكن لوطن أن يتحول إلى قضية؟ وكيف يمكن لقضية أن تتحول إلى انتصار؟ الجواب: حين يكون هناك ملك يسمى محمد السادس، وشعب يسمى المغاربة، وأرض تسمى الصحراء.
في الأربعاء المقبل، ستهبط طائرة أخرى في مطار الحسن الأول. سينزل منها وزراء. سيستقبلهم مسؤولون مغاربة. ستلتقط الصور. ستوقع الاتفاقيات. ستنتهي الزيارة. لكن ما سيظل في الذاكرة هو المشهد الأجمل: إفريقيا تأتي إلى الصحراء لتقول لها: “أنت مغربية، ونحن معك”. هذا ليس تفاؤلا. هذه حقيقة تتكشف يوما بعد يوم. كل زيارة لمسؤول أجنبي إلى العيون هي ضربة جديدة لأعداء الوحدة الترابية. كل اتفاقية توقع هناك هي رسالة جديدة إلى العالم: “الصحراء خط أحمر، لكنها جسر مفتوح لكل من يريد الخير”.
المغرب يكتب اليوم فصلا جديدا من تاريخه. فصلا لن تقرأه في الكتب المدرسية فقط، بل في قلوب كل مغربي. لأن ما يحدث في العيون ليس مجرد زيارة دبلوماسية. هو تتويج لحلم دام خمسين عاما. حلم أن تصبح الصحراء مغربية في الواقع قبل القانون، في الضمير قبل الخريطة. تحيا الصحراء المغربية. تحيا إفريقيا. وتحيا المملكة المغربية، ملكا وشعبا وجيشا ومؤسسات. وطني. وطني. وطني.
📲 Partager sur WhatsApp
المقال يعتبر أن زيارة وزراء خارجية ثلاث دول إفريقية إلى العيون تؤكد دعمًا متزايدًا لمغربية الصحراء، وتبرز تحول المدينة إلى منصة للدبلوماسية الإفريقية، بفضل السياسة الملكية والدبلوماسية المغربية، مع التركيز على الشراكات الاقتصادية وتعزيز الوحدة الترابية.
مقال قوي وعميق، بلغة أنيقة، أو لما تتكلم التمغربيت من أجل التعاون و التكامل في مصادر القوة بالاعتماد على النفس الإفريقية وببوصلىة رابح رابح. المغرب أرض لاتخاذ قرارات تنمية الشعوب الإفريقية. وبهذه الدبلوماسية بدأت تنكشف حقيقة المغرب، قلب افريقيا النابض.