القاهرة والرباط: اتحالف في معركة السيادة

بقلم زكية لعروسي, باريس

في مشحونة بالدلالات، تقدّمت مصر من قلب القاهرة بخطوة دبلوماسية وازنة، تشبه في عمقها إعادة رسم هادئ لخرائط التوازن الإقليمي، حين جدّدت دعمها للوحدة الترابية للمغرب، مؤكدة انخراطها في منطق الشرعية الدولية، ومساندتها للحل الواقعي القائم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

هذه الخطوة هي تعبير كثيف في سجل العلاقات الثنائية عن وعي سياسي يتجاوز اللحظة، ويستحضر التاريخ، ويستشرف المستقبل. ففي عالم تتسارع فيه التحولات، وتتشابك فيه المصالح، يصبح للمواقف الواضحة وزن استراتيجي، خاصة حين تصدر عن دولة بحجم مصر، بثقلها العربي والإفريقي، وامتداداتها التاريخية في معادلات القوة والتأثير.

إن تأكيد القاهرة على قرار مجلس الأمن رقم 2797 لا يقرأ فقط باعتباره انحيازا قانونيا، بل هو انخراط واع في مسار دولي يهدف إلى طيّ واحد من أكثر النزاعات الإقليمية تعقيدا. ومن هنا، تكتسب هذه الخطوة بعدا مركبا: فهي من جهة تعزّز الطرح المغربي الذي راكم شرعية متنامية، ومن جهة أخرى تسهم في ترسيخ إجماع عربي آخذ في التبلور حول واقعية هذا الحل وقابليته للتطبيق.

وإذا كان التاريخ قد جمع بين الرباط والقاهرة في محطات مفصلية، فإن الحاضر يعيد صياغة هذا التقاطع على أسس أكثر نضجا وعمقا. فالعلاقات بين البلدين لم تعد محصورة في المجاملات الدبلوماسية، بل انتقلت إلى فضاءات التعاون الاستراتيجي، حيث تتقاطع الرؤى حول قضايا الأمن والاستقرار والتنمية، في منطقة تعاني من اختلالات متعددة المستويات. إن هذا التقارب لا يمكن فصله عن إدراك مشترك بأن العالم العربي في حاجة إلى إعادة بناء ذاته، واستعادة توازنه، عبر شراكات قوية بين دوله المحورية. 

ومن هنا، تبدو الشراكة المغربية المصرية وكأنها نواة صلبة لإعادة الاعتبار للعمل العربي المشترك كمشروع عملي يتأسس على المصالح المتبادلة والرؤى المتقاربة. وفي عمق هذا المشهد، تتجلى قضية الصحراء المغربية كاختبار حقيقي لمدى قدرة النظام الإقليمي على إنتاج حلول واقعية، بعيدا عن منطق الجمود أو الحسابات الضيقة. فالدعم المصري لا يعزز فقط الموقف المغربي، بل يبعث برسالة واضحة إلى مختلف الأطراف بأن زمن المناورات قد ولى، وأن الحلول الممكنة هي تلك التي تنسجم مع الشرعية الدولية ومع منطق التاريخ والجغرافيا.

ولعل الأهم في هذا التحول هو ما يحمله من أفق مستقبلي، حيث يتوقع أن تتسارع وتيرة التنسيق بين الرباط والقاهرة، ليس فقط في الملفات السياسية، بل أيضا في المجالات الاقتصادية والاستثمارية، بما يحوّل هذا التقارب إلى قوة دافعة للتنمية والاستقرار في محيط إقليمي مضطرب. هكذا، لا تبدو الخطوة المصرية مجرد موقف دبلوماسي، بل هي إعلان ضمني عن ولادة مرحلة جديدة، تعيد فيها القوى العربية الكبرى ترتيب أوراقها، وتحاول استعادة زمام المبادرة. وفي قلب هذه الدينامية، يبرز المغرب بثبات رؤيته، ومصر بثقلها التاريخي، في معادلة قد تكون مفتاحا لفهم تحولات المنطقة في السنوات القادمة. إنها لحظة تكتب بلغة السياسة، لكنها تقرأ بروح التاريخ… حيث تلتقي الإرادة بالواقعية، ويتحوّل الموقف إلى فعل، والفعل إلى مسار.

📲 Partager sur WhatsApp

2 thoughts on “القاهرة والرباط: اتحالف في معركة السيادة

  1. المقال يعتبر أن تجديد مصر دعمها للوحدة الترابية للمغرب خطوة دبلوماسية مهمة تعزز مقترح الحكم الذاتي وتساهم في تكريس إجماع عربي حول حل واقعي لقضية الصحراء. ويرى أن التقارب بين الرباط والقاهرة قد يتطور إلى شراكة استراتيجية سياسية واقتصادية تعزز الاستقرار الإقليمي والعمل العربي المشترك، مع التأكيد على أن هذا الموقف يحمل دلالات سياسية تتجاوز البعد الرمزي نحو تنسيق أوسع مستقبلاً.

  2. نتمنى أن ترتسم، بالسرعة القصوى، معالم الطريق، لمستقبل واعد من الماء الى الماء وعبر الماء، بين الشعبين الشقيقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *