بقلم زكية لعروسي, باريس
في الأمثال المغربية حكمة تختصر تاريخا طويلا من التجارب السياسية والإنسانية. يقول المثل: “اللّي دارها بيديه يفكّها بسنيه”؛ أي أن من يصنع المشكلة بيده سيضطر في النهاية إلى حلها بأسنانه، مهما كان الثمن مؤلما. وهذا المثل القديم يبدو اليوم كأنه يطل من جبال الأطلس ليعلّق بهدوء على حرب جديدة تشتعل في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. فالحروب الكبرى لا تبدأ دائما بخطة واضحة للنهاية. تبدأ عادة بضربة محسوبة، أو ما يبدو كذلك في البداية. لكن التاريخ يظهر أن الضربة الأولى كثيرا ما تكون أسهل بكثير من الضربة الأخيرة.
اليوم، وبعد أسبوعين فقط من بدء الهجوم العسكري على إيران، بدأت الفروق الدقيقة بين الحليفين – واشنطن وتل أبيب- تظهر بوضوح متزايد. ظاهريا، الهدف واحد: تحييد القدرات النووية والعسكرية الإيرانية. لكن تحت هذا العنوان العريض تختبئ رؤيتان مختلفتان تماما لمستقبل إيران والمنطقة. إسرائيل تفكر بمنطق الأمن الوجودي. في نظرها، المشكلة لا تكمن فقط في البرنامج النووي الإيراني، بل في طبيعة النظام نفسه. ولذلك يميل التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي إلى فكرة تغيير النظام، أو على الأقل إضعافه إلى الحد الذي يجعله غير قادر على تهديد إسرائيل لعقود مقبلة. أما الولايات المتحدة، فتبدو أكثر حذرا. واشنطن تعرف أن إسقاط الأنظمة في الشرق الأوسط قد يفتح أبوابا يصعب إغلاقها. تجربة العراق عام 2003 لا تزال حاضرة في الذاكرة الأمريكية كدرس ثقيل: النظام سقط بسرعة، لكن الدولة نفسها دخلت في دوامة من الفوضى والميليشيات والحروب الطائفية. لهذا تميل الإدارة الأمريكية إلى سيناريو مختلف: ليس إسقاط النظام بالضرورة، بل إضعافه إلى حد الانهيار الداخلي، بحيث تظهر قوى جديدة من داخل البنية السياسية نفسها قادرة على التفاوض أو إدارة مرحلة انتقالية.
بين هاتين الرؤيتين تقف الحرب الحالية مثل سفينة تسير في بحر متلاطم: الاتجاه العام واحد، لكن الربابنة لا يتفقون تمامًا على الميناء. في الثقافة المغربية أيضا مثل آخر يقول: “اللي حرث الجمل يدكّو”؛ أي أن من يفتح طريقا صعبا عليه أن يتحمل مشقته حتى النهاية. وهذه هي المعضلة الكبرى في الحروب الحديثة. فالضربة الجوية قد تستغرق ساعات، لكن إعادة ترتيب دولة بحجم إيران قد تستغرق عقودا. إيران ليست دولة صغيرة يمكن تغيير توازنها بسهولة. إنها حضارة قديمة، وجغرافيا معقدة، ومجتمع متعدد القوميات والتيارات. وفي داخل هذا النسيج توجد تناقضات كثيرة، لكن أي تدخل خارجي واسع قد يحول هذه التناقضات إلى انفجار شامل. وهنا يظهر الفرق العميق بين حسابات القوة وحسابات التاريخ

.
إسرائيل تنظر إلى التهديد المباشر وتريد حله جذريا، حتى لو استغرق الأمر حربا طويلة. أما الولايات المتحدة، التي تحمل عبء النظام الدولي وتحالفاته المعقدة، فترى أن الحرب الطويلة قد تتحول إلى فخ استراتيجي يستنزف القوة الأمريكية ويؤجج الرفض الشعبي في الداخل. اللافت أن الرئيس الأمريكي يحاول منذ الأيام الأولى تقليل توقعات الحرب الطويلة، وكأن الخطاب السياسي يسعى إلى طمأنة الداخل أكثر مما يصف الواقع العسكري. فالرأي العام الأمريكي – الذي تعب من حروب الشرق الأوسط – لا يريد مغامرة جديدة بلا نهاية واضحة. في المقابل، تتحدث إسرائيل بلغة مختلفة تماما: “لا حدّ زمني للعملية”. هذه العبارة وحدها كافية لتلخيص الفجوة بين الحليفين.
لكن التاريخ يعلمنا أن التحالفات في الحروب تشبه القوافل في الصحراء. في البداية يسير الجميع في اتجاه واحد، لكن مع طول الطريق تبدأ الاختلافات في الظهور: بعضهم يريد الإسراع، وبعضهم يخشى الضياع، وبعضهم يتساءل إن كان الطريق نفسه صحيحا. وفي المغرب يقولون أيضا: “اللي دخل العرس بلا دعوة يصبر للضرب”. وهو مثل قاس لكنه واقعي؛ فالحروب، مثل الأعراس الصاخبة، قد تتحول فجأة إلى فوضى لا يستطيع أحد السيطرة عليها.
الشرق الأوسط يعرف هذه الحقيقة أكثر من غيره. فقد شهد خلال العقود الماضية تدخلات كثيرة بدأت بشعار “عملية محدودة” وانتهت بتحولات عميقة في الجغرافيا السياسية. لهذا تبدو الحرب الحالية لحظة اختبار جديدة، ليس فقط للقوة العسكرية، بل أيضا لذكاء السياسة. فالانتصار في المعركة لا يعني دائما الانتصار في التاريخ. وربما سيعود المثل المغربي الأول ليهمس في نهاية المطاف بحكمته القديمة: “اللّي دارها بيديه يفكّها بسنيه.” فالحروب التي تشعلها القوى الكبرى قد تجد نفسها في النهاية مضطرة إلى إطفائها بنفسها، ولو بأسنان السياسة بعد أن تكون قد استنفدت مخالب القوة.

صحيح ان بنية المجتمع الإيراني بنية معقدة ومركبة، فكريا وعقاءديا واجتماعية. مجتمع ذو أصول فارسية، بثقافة عريقة وتجربة في التنظيم السياسي تزاوج بين التمذهب الشيعي واحتواء باقي الملل التاريخية، زرادوشتية، ماجوسية، يهودية، مسيحية، فرق في قلب التشيع…مجتمع بجغرافية جيوسياسية شاسعة ومفتوحة على بلدان متعددة وعلى اهم المضايق الاستراتيجية لنقل مصادر الطاقة على الصعيد الدولي…. هذا الوضع المتميز بتعقيداته، هو الفخ- المستنقع الذي سيورط امريكا وربيبتها بنو صهيون، في الزمن الراهن. من اشعل النار سيجد نفسه مهرولا للإطفاء، لأن تورطه تورط الاقتصاديات الغرب والشرق ككل. سيزداد الأمر خطورة اذا ما تم استهداف مؤسسات تحليودة المياه في الشرق الأوسط، وتلك واجهة أخرى لتأزيم الوضع والضغط من أجل توقيف اللعبة.