بقلم زكية لعروسي, باريس
حين كانت الإمبراطوريات ترسم على الخرائط بالحبر والدم معا، كان هناك قانون غير مكتوب: الأمم التي يصعب اقتحامها من أبوابها، يحاول أعداؤها فتح ثغرات في جدرانها من الداخل أو من بعيد. هكذا كانت تدار الحروب قبل المدافع، وهكذا تدار اليوم قبل الصواريخ. ليس كل عداء يعلن نفسه في بيان رسمي، ولا كل حرب تبدأ بدوي المدافع. أحيانا تبدأ الحرب بكلمة مسمومة، بوشاية خبيثة، بعبارة تلقى عمدا في أذن قوة بعيدة لتزرع في ذهنها فكرة العداء. وهنا يبدأ المسرح الخفي للسياسة الدولية.
في هذا المسرح، لا يتحرك اللاعبون دائما بأسمائهم الحقيقية. هناك من يختبئ خلف خطاب إيديولوجي، وهناك من يتخفى خلف قضايا إقليمية، وهناك من يعيش أصلاً على اقتصاد الفوضى. لكن الخيط الذي يجمعهم واحد: محاولة إرباك المغرب. المغرب ليس مجرد رقعة أرض في شمال إفريقيا. إنه عقدة جغرافية في رقبة العالم. إنه بوابة الأطلسي إلى المتوسط، وحارس الممرات التي تمر منها تجارة الكوكب، ونقطة التوازن بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي. ولذلك فإن استقرار المغرب لم يكن يوما مسألة مغربية فقط، بل معادلة استراتيجية في النظام الإقليمي. ولهذا السبب بالضبط، تتكرر المحاولات.
حين يعجز الخصوم عن مواجهة المغرب في وضح النهار، يلجؤون إلى سياسة قديمة قدم الإمبراطوريات: استدعاء الآخرين إلى المعركة. أن تهمس لقوة بعيدة: “المغرب ضدكم”. أن ترسل إشارات مبطنة هنا وهناك، توحي بأن هذا البلد جزء من حرب لا تخصه أصلا. أن تزرع فكرة العداء في عقل لاعب دولي آخر، أملا في أن تتحول الفكرة إلى توتر، ثم إلى تهديد، ثم إلى ضغط. إنها مدرسة قديمة في الجيوبوليتيك: صناعة الأعداء بالوكالة.
لكن وراء هذه اللعبة تختبئ ثلاثية شر واضحة لمن يعرف قراءة الخرائط لا فقط الأخبار
– شر الفوضى الإقليمية
هناك كيانات سياسية في المنطقة لا تستطيع العيش إلا في بيئة التوتر. فالدولة المستقرة بجوارها تصبح إدانة صامتة لفشلها. ولذلك يصبح الهدف ليس هزيمة المغرب، بل إغراقه في نفس الضباب الذي تعيش فيه.
– شر الوكالة الجيوسياسية
وهو الشر الذي يتغذى من الحروب غير المباشرة. يفتح قنوات مع قوى بعيدة، يضخم السرديات، ويصنع من الإشاعات أدوات استراتيجية.
– الشر المتخفي في الداخل
وهو الأكثر إثارة للسخرية التاريخية. لأن أصحابه يعتقدون أنهم يلعبون لعبة ذكية. لكنهم في الحقيقة مجرد أدوات في رقعة شطرنج أكبر منهم بكثير. هنا يعود المثل المغربي القديم بكل حكمته الساخرة: “اللي ما قدرش على البردعة يضرب الحمار.” حين يعجز الخصم عن ضرب القوة الحقيقية للدولة، يبدأ بضرب محيطها الرمزي: السمعة…الصورة…العلاقات الدولية…السرديات. لكن التاريخ المغربي لا يقرأ بهذه البساطة. هذا بلد تعود منذ قرون أن يعيش على مفترق الرياح. مرت عليه عواصف المتوسط، وتقلبات الأطلسي، وارتجاجات السياسة الأوروبية، وصراعات الشرق الأوسط. ومع ذلك بقي واقفا مثل منارة حجرية على حافة المحيط. لم يكن ذلك صدفة. كان نتيجة فلسفة سياسية عميقة تشكلت عبر القرون: الهدوء في زمن الضجيج، والتوازن في زمن الاستقطاب.
الدول الصغيرة في التاريخ تختفي حين تهب العواصف. أما الدول التي تفهم موقعها في الجغرافيا الكبرى فتعرف أن العاصفة ليست دائما نهاية الطريق… بل أحيانا مجرد اختبار للثبات. والمغرب، في معناه التاريخي العميق، ليس دولة طارئة على الزمن. إنه فكرة قديمة تشكلت بين الصحراء والبحر، بين التجارة والدبلوماسية، بين القوة الناعمة وصلابة الدولة. لهذا السبب تحديدا يفشل كثيرون في فهمه. يظنون أن بإمكانهم زعزعته بحملة دعائية هنا أو بإشارة تحريض هناك. لكنهم ينسون أن الدول التي بنيت عبر قرون لا تهتز بسبب ضجيج أسبوع أو شهر. إنهم يطلقون الضباب. لكن الضباب لا يغير شكل الجبال. وفي نهاية المطاف، يظل الدرس الذي يكرره التاريخ ببرودة الحكماء: الأمم التي تتقن الصبر الاستراتيجي لا تهزم بسهولة. والدول التي تعرف قيمتها الجيوسياسية لا تخاف من الظلال. أما الذين ينسجون المؤامرات في العتمة، فغالباً ما يكتشفون متأخرين أنهم لم يكونوا سوى شخصيات ثانوية في ملحمة أكبر بكثير منهم. ملحمة اسمها… المغرب.
