المأزق الباريسي: السلام بين لبنان وإسرائيل

بقلم زكية لعروسي. باريس

في مشهد يجمع عبثية مسرح العبث مع تراجيدية الملاحم القديمة، وجدت فرنسا نفسها فجأة بطلة مسرحية كتبتها بالأمس ثم تبرأت منها اليوم. فعلى وقع تصاعد نيران الحرب بين إسرائيل وحزب الله، خرج إيمانويل ماكرون ليعلن للعالم أن  لبنان مستعد للحوار المباشر مع إسرائيل، وأن باريس “مستعدة لتسهيل هذه المناقشات واستضافتها” . لكن ما هي إلا ساعات قلائل، حتى خرجت وزارة الخارجية الفرنسية لتدق على جرس النقيض:”لا يوجد خطة فرنسية” لوقف الحرب، والأمر متروك للأطراف وحدها . بين رأس الدولة وجهازها الدبلوماسي، هوة تتسع لابتلاع آخر فرص السلام.

لكن المدهش في هذه المهزلة الدبلوماسية أن “الخطة غير الموجودة” قد تسربت بالفعل إلى وسائل الإعلام. فقد كشف موقع  “أكسيوس” الأمريكي عن وثيقة تحمل عنوانا صريحا: “خطة فرنسية” لإنهاء الحرب، تتضمن اعتراف لبنان بإسرائيل، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني، ونزع سلاح حزب الله، مقابل انسحاب إسرائيلي من الأراضي التي احتلتها منذ اندلاع الحرب الحالية . إنها خطة متكاملة الأركان، موقعة ومختومة، لكن فرنسا تصر على أنها “غير موجودة”. وهنا يقفز الصحافي الاستقصائي باراك رافيد، مراسل أكسيوس، ليوجه صفعة دبلوماسية للإليزيه: “وزارة الخارجية الفرنسية تكذب. هناك خطة فرنسية. عنوان الوثيقة يقول إنها خطة فرنسية” . ثلاث كلمات فرنسية واحدة منها تكفي لهز عرش  الدبلوماسية في باريس: “Menteurs”.. كذابون.

لبنان وإسرائيل.. جاران لم يعرفا طعم الجوار. عاشقان لدغتهما العقارب قبل أن يتعلما لغة الحب. فمنذ 2 مارس/آذار الجاري، تعيش المنطقة على صفيح ساخن بعد اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في غارة أمريكية إسرائيلية، ليرد حزب الله بوابل من الصواريخ، فتنتفض إسرائيل بغارات على ضاحية بيروت الجنوبية وغزو بري محدود جنوب لبنان . النتيجة: 733 قتيلا وأكثر من 800 ألف نازح في لبنان وحده . وفي خضم هذا الجحيم، تقترح فرنسا نفسها “وسيطا صادقا”. لكن كيف لوسيط أن يكون صادقاً وهو ينكر أنه يحمل خريطة للحل؟ كيف لرئيس الجمهورية أن يعلن استعداد لبنان للحوار المباشر، ثم تتراجع وزارته لتؤكد أن “جدول الأعمال من صلاحية الأطراف وحدهم”؟ إنها لعبة الأم التي تخجل من ابنها اللقيط. فرنسا التي كانت ترعى لبنان تحت الانتداب، والتي لا تزال تنظر إليه كابن ضال في أسرة الأمم، تريد اليوم أن تلعب دور الراعية دون أن تدفع ثمن الرعاية. تريد أن تبارك الزواج دون أن توقع على عقد القران.

ما يحدث في باريس هذه الأيام يكشف عن شرخ عميق بين قصر الإليزيه ومقر وزارة الخارجية على ضفاف السين. فبينما يندفع ماكرون لاقتناص دور تاريخي في واحدة من أكثر أزمات الشرق الأوسط تعقيداً، تسحب الدبلوماسية الفرنسية القديمة البساط من تحت قدميه، خوفا من إحراق الجسور مع أحد الأطراف، أو الانجرار إلى مستنقع التفاوض نيابة عن الغير. ماكرون تحدث بنفسه مع الرئيس اللبناني ميشال عون ورئيس الحكومة نواف سلام  ورئيس مجلس النواب نبيه بري . لقد وضع يده على اللاعبين الحقيقيين. ثم خرج ليصرح: “يجب على حزب الله أن يوقف فورا تصعيده المتهور، وعلى إسرائيل أن تمتنع عن شن هجوم واسع النطاق وأن توقف غاراتها المكثفة” . إنه توازن دقيق، لكنه توازن رجل يعرف أن المئات من الأبرياء يدفعون الثمن. لكن الخارجية كانت أسرع إلى التراجع. ففي بيان موجز، قالت إن باريس “دعمت انفتاح السلطات اللبنانية على المحادثات المباشرة مع إسرائيل وعرضت تسهيلها” . لا أكثر ولا أقل. وكأن ماكرون لم يقل شيئا. وكأن باريس لم تستضف يوما مؤتمرات دولية لحل النزاع.

لبنان يريد التفاوض، هذا ما يقوله ماكرون. وإسرائيل تريد إنهاء التهديد على حدودها الشمالية، هذا ما تقوله التصريحات. لكن بين الإرادة والتنفيذ، تقف حقائق مرة. فحزب الله، اللاعب الأقوى على الساحة اللبنانية، لا يزال يرفع سلاحه بوجه إسرائيل، وإيران التي فقدت توها المرشد الأعلى تبحث عن ثأر يغير ملامح المنطقة. في هذه الأثناء، تقدم فرنسا نفسها كوسيط، لكنها تنسحب من أي خطة واضحة. تعلن استعدادها لاستضافة  الحبيبين في باريس ، لكنها تترك لهما تحديد جدول الأعمال. وكأنها تقول: تعالوا إلى بيتي، وتحدثوا بما تشاؤون، لكن لا تطلبوا مني أن أتدخل إذا اختلفتم. إنها الدبلوماسية الباريسية بوجهها الجميل: ضيافة فاخرة، ومبان تاريخية، وقاعات مؤتمرات تليق بصانعي السلام. لكنها الدبلوماسية نفسها بلا خطة، بلا رؤية، بلا جرأة.

ما يحدث بين فرنسا ولبنان وإسرائيل هذه الأيام يشبه حبيسة في مسرح العبث. الكل يبحث عن السلام، والكل ينكر أنه يبحث عنه. الكل يضع الخطط، والكل يتبرأ منها. فرنسا تريد أن تلعب دور البطولة في فيلم السلام، لكنها ترفض أن يذكر اسمها في التترات. لكن السؤال الذي يبقى معلقا في سماء بيروت وتل أبيب وباريس: كيف يمكن التوفيق بين حبيبين إذا كان الوسيط نفسه على خلاف مع ذاته؟ كيف يمكن لرجلين أن يتصالحا إذا كان الرجل الثالث يتحدث بلسانين؟ في الأيام المقبلة، سيتضح ما إذا كانت مبادرة ماكرون مجرد ومضة دبلوماسية سريعة، أم أنها فعلا تمهد الطريق لشيء جدي. لكن الأكيد أن الشرق الأوسط، الذي أنهكته الحروب، لا يحتاج إلى وسيط ينكر أنه وسيط. يحتاج إلى قلب يقول كلمة واحدة، ويد توقع على خطة واحدة، وإرادة توقف نزيف الدم الذي لا يتوقف. أما فرنسا، فستظل حتى إشعار آخر، الحبيبة التي تغازل العاشقين من بعيد، دون أن تجرؤ على الاقتراب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *