بقلم د.زكية لعروسي
ليس العنف المدرسي حادثة في نشرة الأخبار، ولا هو شغب صبياني يقاس بدرجات الانضباط. إنه علامة أنثروبولوجية غائرة، شق في جدار الحضارة، وصدى قديم يتردد في أروقة نظنّها حديثة. إنها جثة تستحق التشريح….المدرسة التي أرادها الإنسان معبدا للمعرفة صارت مسرحا للغضب ومختبرا للسلطة، لكن السؤال الذي يتخفى خلف الضجيج ليس: متى بدأ العنف؟ بل: كيف تشرنقت الحقيقة داخل منظومة التربية حتى صارت هي نفسها أداة للعنف؟ هذا تحقيق في جينالوجيا العنف التربوي، نبش في طبقات النصوص اليونانية والعباسية، ومحاولة للإجابة عن سؤال واحد: هل المدرسة مكان تنتج فيه المعرفة، أم أنها المقبرة التي تدفن فيها الأسئلة الأولى للطفل؟
في “البيان والتبيين”، يلمح الجاحظ إلى صورة المعلم الذي يمسك العصا كما يمسك الخطيب القلم؛ كلاهما أداة تهذيب وتشكيل . لكن المفارقة الجاحظية العميقة تكمن في أنه يكشف، بذكائه الساخر، أن التربية حين تستند إلى الخوف فإنها لا تنتج إنسانا يفهم، بل إنسانا يخشى. لم يمجّد الجاحظ الضرب، بل وضعه تحت مجهر السخرية الثقيلة، كاشفا أن المعلم في المخيال العباسي لم يكن وارثا لسلطة الأب فحسب، بل كان كاهنا في معبد النص، يحرس حدود الحقيقة بعصاه كما يحرس الكاهن الحدود بين المقدس والمدنّس. ويترك آثار البلاغة على الجلد. العصا إذن لم تكن أداة تقويم، بل حالة عبور. الطفل الذي يضرب لا يتعلم الدرس، بل يتعلم أن الحقيقة تؤلم. وهذه هي الليتورجيا الخفية للعنف التربوي: إنتاج جسد واع بأن المعرفة ثمنها الألم. الجاحظ، بحدسه الأنثروبولوجي، أدرك أن “تهذيب” الأخلاق عبر الإيلام ليس تربية، بل هو تدريب على ثنائية وجودية: حياة ظاهرية من الانضباط، وأخرى باطنية من التمرد المكبوت. لذلك ليس غريبا أن التلميذ الذي يضرب في الصباح على نسيانه الآية، قد يصير في المساء متمردا على كل آية. العنف التربوي لا يصنع المؤمنين، بل يصنع الملحدين الصامتين. وهذا ما عناه الجاحظ حين كتب، بين سطوره الملتوية، أن العصا لا تنتج علما، بل تنتج ذاكرة مشروخة.
في “الجمهورية”، يرى أفلاطون أن التربية مشروع سياسي بامتياز، والمدرسة ليست جزيرة منعزلة بل مرآة للمدينة . فإذا فسدت المدينة، فسدت المدرسة. فالمدينة المريضة تلد مدرسة مريضة، لكن المفارقة الأفلاطونية تكمن في أن فيلسوفنا، وهو يبني المدينة الفاضلة، يبنيها على أنقاض حرية التلميذ. إنه ينتقي “الطبائع” كما تنتقي المزارع بذورها: بعضها يصلح للحراسة، وبعضها للعمل، وبعضها للإقصاء. أفلاطون لم يكن يؤمن بالتربية للجميع. تعليمه الأرستقراطي الانتقائي كان يقوم على افتراض أن الحقيقة ليست للجميع، بل لصفوة قادرة على تحمل نورها دون أن يصابوا بالعمى. وهنا تكمن مأساة التربية الفلسفية الأولى: حتى أعظم فلاسفة الإنسانية بنوا النظام التعليمي على الإقصاء، وجعل من الجهل قدَرا للبعض لا عائقا مؤقتا. أما أرسطو، وهو الأكثر واقعية، فقد رأى في الإنسان “حيوانا سياسيا” . العنف ليس طارئا على طبيعته، بل احتمال كامن فيها. التربية عنده ليست محو للغريزة، بل تهذيبا لها. لكن أرسطو نفسه، الذي اعتبر الدولة أعلى الجماعات وأسمى الغايات، لم يتصور إنسانا خارج المدينة . التربية عنده تأتي متأخرة: الإنسان يربى ليصبح مواطنا، لا ليصبح إنسانا. الفرد ذائب في بوتقة السياسة، والطفل مادة خام تسبك في قالب المدينة. التراجيديا اليونانية إذن ليست في أنهم عرفوا العنف التربوي، بل في أنهم قدّسوه. لم يكن العنف في المدرسة اليونانية شذوذا، بل كان جزءا من تشكيل المواطن. العبد يربى بالخوف، والحر يربى بالمنافسة، والمواطن يربى بالتضحية. التربية اليونانية، في جوهرها، كانت تدريبا على الموت من أجل المدينة.
في العصر العباسي، حيث بلغ التدوين أوجه، صارت المدرسة مؤسسة لحفظ النص لا لإنتاجه. الجاحظ، الذي عاش في هذه الفترة، كان استثناء في سياج من التقليد. التلميذ لم يكن مطالبا بفهم العالم، بل بحفظ أقوال من فهموه قبله. العنف هنا لم يكن مجرد عقاب بدني، بل عنفا رمزيا أشد فتكا: عنف إلغاء الذات. الطفل الذي يعلّم أن الحقيقة قيلت قبله، وأن دوره الوحيد هو التكبير والتحبير، يتعلم درساً عميقاً: أن عقله ليس أداة للاكتشاف بل مستودعا للحفظ. هذا هو العنف الأكثر شراسة لأنه لا يترك ندوبا على الجسد، بل يشوّه الغريزة المعرفية ذاتها. يتعلم الطفل ألا يسأل. يتعلم أن السؤال خروج، والخروج عقاب، والعقاب ألم. فيصمت. ثم يصير أستاذا.
عندما يلتقي “باحث الحقيقة” بـ”محطم الأصنام”، يتجلى الصراع الأزلي بين من يرى المعرفة كشفا ومن يراها خلقا. سقراط يؤمن بوجود معيار كوني للصواب والخطأ، ونيتشه يرى أن كل حقيقة مجرد تأويل يخدم إرادة القوة. لكن كليهما، رغم اختلافهما، يشتركان في شيء واحد: كرههما للتربية التي تقتل التساؤل. سقراط دفع حياته ثمنا لأسئلته، ونيتشه دفع عقله ثمنا لأفكاره. المدرسة المعاصرة، في تقليدها للعنف الرمزي، تقتل سقراط كل صباح في كل فصل، وتصيب نيتشه بالجنون كل مساء في كل امتحان. نحن لا نربي تلاميذنا ليكونوا فلاسفة، بل ليكونوا موظفين. لا نعلمهم كيف يسألون، بل كيف يجيبون. لا نعدهم للحياة، بل للامتحان. وهذا هو العنف الأعمق: تحويل الفضيلة المعرفية – التساؤل – إلى رذيلة مدرسية. العنف اليوم ليس عصا معلم، بل تنمر رقمي، وإقصاء رمزي، وتفكك نفسي، وتمرد على المعنى ذاته. إنه عنف بلا مركز، بلا هيبة، بلا فلسفة. الفرق الجوهري بين عنف الأمس وعنف اليوم ليس في الكثافة، بل في السياق. الأمس كان العنف مقبولا ضمن نظام قيميّ صارم يبرره باسم التقويم والتهذيب. اليوم إنكشف القناع، وبات العنف يرى لا كأداة تربية، بل كفشل في التربية. تطوّر الحس الأخلاقي جعل العنف يبدو أشد فداحة، لا لأنه ازداد، بل لأننا لم نعد نحتمله. وهنا يكمن التحول الفلسفي: العنف لم يعد وسيلة مقبولة، بل صار دليلا على فشل النظام برمته. لكن هذا الوعي الجديد بالعنف لم يرافقه وعي بجذوره. نحن نعالج الأعراض ونتجاهل المرض. نضبط سلوك التلميذ ولا نسأل: لماذا يريد التلميذ أن يضرب؟ لماذا يريد أن يهرب؟ لماذا يكره المكان الذي يفترض أن يعلمه؟
التلميذ المعاصر لا يحمل حقيبته فقط، بل يحمل شاشة في جيبه، وعالما مضطربا في رأسه، وأسئلة أكبر من عمره. المدرسة لا تجيب عن هذه الأسئلة، بل تطلب منه أن يغلق هاتفه ويسمع الدرس. الفجوة بين حياة التلميذ خارج المدرسة وداخلها صارت فجوة أنطولوجية. خارج المدرسة هو مبدع، منتج، متصل. داخل المدرسة هو متلق، مستهلك، منفعل. العنف هنا ليس تمرّدا على المعرفة، بل تمرّد على شكل المعرفة. التلميذ لا يكره التعلم، بل يكره كيف يعلَّم. المدرسة فضاء عجيب بامتياز. إنها المكان الوحيد الذي يجمع فيه أطفال متشابهون في العمر، مختلفون في القدرات، ليعامَلوا وكأنهم متطابقون. هذا هو العنف الأول: عنف المعيار. الطفل الذي يفكر ببطء يتعلم أنه غبي. الطفل الذي يفكر بسرعة يتعلم أنه ممل. الطفل الذي يسأل خارج السياق يتعلم أنه مشاغب. الطفل الذي يصمت يتعلم أنه مهمل. المدرسة، بهذا المعنى، ليست مكانا لاكتشاف الذات، بل مكانا لاكتشاف عيوب الذات. الرهبة التي كان المعلم القديم يفرضها بالعصا،
يحاول المعلم الحديث فرضها بالتقييم. الامتحان هو العصا الجديدة. الدرجة هي الندبة الجديدة. الترتيب هو المناخ الجديد. لم يتغير الجوهر، تغيرت الأدوات. وبقينا نحن وجرح المدرسة. العنف المدرسي ليس سؤال المدرسة وحدها، بل سؤال الحضارة.
فإذا أردنا أن نعرف من نحن، فلننظر إلى أطفالنا: هل يدخلون المدرسة بعيون تلمع؟ أم يدخلونها كمن يدخل ساحة حرب صامتة؟ ذلك هو الامتحان الحقيقي. الجاحظ كشف هشاشة العصا، وأفلاطون ربط التربية بالمدينة، وأرسطو رأى في الإنسان قابلية مزدوجة للخير والعدوان. لكنهم جميعا عجزوا عن تخيل مدرسة بلا عنف، لأنهم عجزوا عن تخيل مجتمع بلا هيمنة. نحن اليوم نملك ما لم يملكوا: وعيا بحقوق الطفل، وإيمانا بحرمة الجسد، ونظريات تربوية تضع المتعلم في المركز. لكنن نظل عاجزين أمام السؤال الأبسط: لماذا لا نحب أطفالنا بما يكفي لنتوقف عن إيذائهم باسم تعليمهم؟ ربما لأننا، نحن الكبار، لم نتجاوز بعد جروح مدارسنا القديمة. ربما لأن المعلم الجريح لا يمكنه إلا أن يجرح. ربما لأن التربية، في نهاية المطاف، ليست علما ولا فنا، بل هي صدى لما نحن عليه. وما نحن عليه، حتى الآن، ليس جميلا بما يكفي.

محاولة جد مكثفة لموضوع شاءك: التربية وعلاقتها بالمؤسسة التربوية غير الأسرة.
واذا تساءلنا : لماذا نلاحظ, انه حيثما هناك دولة ومجتمع هناك مدرسة؟
بحيث لا وجود لدولة في العالم، بدون مدرسة. ما يفسر حاجة الدولة لهذه المؤسسة ” لصناعة” الكاءن البشري الذي تريده، وفق سلم من القيم وبرامج تربوية- تعليمية، تضعها الدولة ضمن سياساتها العامة. ليكون المتعلم ” قطب الرحى وهو يعبر الأسلاك والمسالك، وفق مناهج ترسم خطوطها الدولة نفسها، ويمسي المربي مجرد موظف لدى الدولة في هذه الجهاز الايديولوجي، ” مقولب” النشأ بالصورة التي يتوجب. فيها ملامح مجتمع تم تشكيله بالمر ان ومحتوياتها والمناهح المختارة لهذا الغرض. من هنا يمكن فهم أن التربية في حد ذاتها مؤسسة قمعية لانها تمأسس التربية على نسبة عالية ندمن الترويض.
وهي الحقيقة التي ابرزت موقفين نظريين من المدرسة: الأول يجسده من طالب ب” مجتمع بدون مدرسة” ، والثاني صنف المدرسة ضمن الأحهزة الأيدي لوحية تعتمدها الدولة ” لتكوين ” المواطن الذي تريده وفق البروفيل الذي ترسم من أجله منظومة تربوية وفق غايات وأهداف ونظام تقويم قسري….
فتقول: العنف وإن أمسى متواريا بحكم تدخل ” حقوق الانسان”, فإنه من صميم فعل التربية والتعليم. مادام هناك مؤسسة تابعة للدولة….