بقلم د. زكية لعروسي، باريس
في الجنوب الشرقي، حيث تتكئ فجيج على ذاكرة الماء كما يتكئ المسافر على ظل نخلة وحيدة، اندلع حراك بدا في ظاهره صرخة نسائية ضد “تفويت الماء”، لكنه في عمقه أشبه بمرآة مكسورة تعكس وجوها متعددة، بعضها حقيقي، وأكثرها مفبرك بعناية. ليس كل صراخ مقاومة، ولا كل دمعة شهادة حق. فبين الحناجر المرتفعة، تختبئ روايات متناقضة، وحكايات تروى بنصف حقيقة، ونصفها الآخر يدفن تحت رمال التأويل.
روِّجت صورة المرأة الفجيجية كرمز للنضال، كأنها خرجت من أسطورة أمازيغية قديمة، تحمل الماء في يد، والكرامة في يد أخرى. لكن التمحيص يكشف أن هذه الصورة، في كثير من جوانبها، ليست إلا بناء خطابيا صاغه “مخرجون خفيون” أتقنوا فن التأثير العاطفي. المرأة هنا ليست دائما صانعة الحدث، بل كثيرا ما كانت موضوعه. حُشدت، دُفعت، وربما أُغريت، لتكون واجهة لصراع لا تتحكم في مفاصله. وهنا تبدأ المفارقة: حين تتحول الضحية إلى أداة، والمشهد إلى مسرح.

ويصبح القانون بين الحقيقة والتشويه. القرار الحكومي المتعلق بتفويت تدبير الماء ليس كائنا غامضا خرج من دهاليز الظلم، بل هو نص قانوني مرّ عبر مؤسسات تشريعية، وصادقت عليه آليات الدولة. وهو، في جوهره، لا يمس إلا ماء الشرب، دون أن يقترب من مياه السقي أو الملكيات السلالية. لكن في رواية الحراك، تحوّل هذا القرار إلى وحش أسطوري يهدد “عيون الأجداد” و”مياه الذاكرة”. وهنا يكمن جوهر التضليل: خلط الأوراق بين ماء الشرب وماء السقي، بين العام والخاص، بين القانوني والرمزي.
ذاكرة الماء تقول لنا: من حفر البئر؟ يقال إن الساكنة حفرت بئر ماء الشرب، وكأنها ملحمة شعبية تروى للأجيال. لكن الوقائع تشير إلى أن البئر الأولى كانت مشروعا حكوميا بعد الاستقلال، وأن ما تلاها من آبار يدخل في إطار تخطيط بلدي متواصل. الحقيقة هنا ليست مجرد تفصيل تقني، بل مفتاح لفهم كيف تبنى الأساطير: بإزاحة الدولة من المشهد، وإحلال الذاكرة الشعبية محلها، حتى لو تعارضت مع الواقع.
بعيدا عن صخب الشعارات، يكمن ملف أكثر حساسية: مياه السقي السلالية. هذه المياه، التي لا يمسها القرار الحكومي، تدار في كثير من الأحيان من طرف فئة محدودة، تتحكم في توزيعها وتسعيرها، وفق منطق أقرب إلى “السوق المغلق” منه إلى العدالة الجماعية. كل عشرين دقيقة من السقي تباع بثمن، يحدد دون رقابة تذكر. وهنا تتجلى مفارقة أخرى: من يرفع شعار الدفاع عن الماء، قد يكون جزءا من منظومة احتكاره. إذا تجاوزنا الخطاب الظاهري، نجد أن الحراك يتغذى من ثلاثة منابع أقل نبلا مما يُعلن:
– السياسة الحزبية: حيث يستثمر الملف لتصفية حسابات انتخابية
– الانتماء القبلي: الذي يعيد إنتاج الانقسامات القديمة في قالب جديد
– الخصومات الشخصية: التي تلبس لبوس “القضية العامة”
وهكذا يتحول الماء، رمز الحياة، إلى أداة صراع. لا يمكن إنكار أن تدبير الماء في فجيج عانى طويلا من اختلالات: ضعف في الصيانة، مشاكل في الشبكات، وتراكم شكاوى الساكنة. بل إن قرارات سابقة، كمنح مياه الشرب لسقي بساتين بشكل مجاني، تكشف عن خلل عميق في الحكامة.
في هذا السياق، يظهر تفويت التدبير كخيار تقني لإصلاح ما فشل المحلي في تدبيره، لا كخيانة كما يصوَّر. يبقى السؤال الأهم: كيف نتعامل مع مقالات تنشر الكذب والفتنة؟ الجواب لا يكمن في القمع، بل في المواجهة الذكية:
– تفكيك الخطاب: عبر كشف التناقضات والخلط المتعمد
– تقديم المعلومة الدقيقة: بلغة واضحة، دون تعال
– فضح المصالح الخفية: دون الوقوع في الشخصنة
– بناء وعي جماعي: يميز بين الرأي والحقيقة
وبين هذا كله قد يستعيد الماء صوته…فالماء في فجيج ليس مجرد مورد، بل قصة. لكن هذه القصة لا يجب أن تروى بالكذب. فبين الحقيقة والوهم، يقف المجتمع أمام اختبار الوعي: إما أن ينساق وراء السرديات الجاهزة، أو أن يعيد طرح الأسئلة الصعبة. و يبقى السؤال معلقا كقطرة على حافة صخرة: هل ندافع عن الماء… أم عن الرواية التي قيلت باسمه؟ الجواب، كما الماء، لا يمسك باليد، بل يفهم بالبصيرة.
📲 Partager sur WhatsApp