بقلم د. زكية لعروسي، باريس
في لحظات التحول الكبرى في التاريخ، لا يظهر القادة دائماً في الضوء. أحياناً يولد النفوذ الحقيقي في الظل، في الملاجئ، خلف الأبواب المغلقة، حيث تصاغ القرارات التي تغيّر مصائر الأمم. هكذا تبدو قصة الرجل الذي أصبح فجأة محور الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط: مجتبى خامنئي. فبعد مقتل والده علي خامنئي في الأيام الأولى من الحرب، ارتفع إسم الإبن إلى قمة هرم السلطة في إيران. لكنه، على عكس كل قادة الدول تقريبا، لم يظهر للعلن منذ انتخابه مرشدا أعلى.
لا خطاب. لا صورة حديثة. لا ظهور رسمي. ومن هنا بدأت الأسئلة… بل بدأت الأسطورة. رجل خرج من الظل لم يكن مجتبى خامنئي يوما سياسيا تقليديا. على مدى سنوات طويلة، ظل اسمه يتردد في أروقة السلطة الإيرانية كـرجل خلف الستار. ولد عام 1969 تقريبا في خضم التحولات الكبرى التي قادت إلى قيام الثورة الإسلامية الإيرانية 1979 بقيادة روح الله الخميني. نشأ داخل بيت السلطة الدينية والسياسية معا، حيث يمتزج الفقه بالسياسة، والروحانية بالاستراتيجية. في طهران، داخل مدارس الحوزة الدينية، درس الفقه الشيعي. لكن تعليمه الحقيقي كان في ممرات السلطة. هناك تعلم كيف تدار الدولة الثورية، وكيف تتوازن القوى بين المؤسسة الدينية والحرس الثوري الإيراني. ولهذا السبب يصفه كثير من المحللين بأنه أكثر نفوذاً مما يظهر. أين يمكن أن يكون الآن؟
اختفاء المرشد الجديد ليس مجرد تفصيل أمني، بل لغز جيوسياسي. هناك عدة سيناريوهات محتملة لمكان وجوده:
1- في شبكة الملاجئ الاستراتيجية
إيران طورت منذ عقود شبكة من المخابئ المحصنة تحت الجبال حول طهران وقم. هذه المنشآت صممت أساسا لحماية القيادة في حال الحرب. في هذا السيناريو، قد يكون المرشد الجديد داخل مركز قيادة عسكري عميق، يتواصل عبر قنوات مشفرة مع القيادة السياسية والعسكرية.
2- في مدينة قم الدينية
مدينة قم ليست مجرد مركز ديني؛ إنها القلب العقائدي للنظام. وجوده هناك سيحمل رسالة رمزية: أن السلطة في إيران ليست عسكرية فقط، بل دينية أيضا. لكن هذا الاحتمال أقل ترجيحا بسبب المخاطر الأمنية.
3- داخل منشأة عسكرية للحرس الثوري
بحكم علاقته الوثيقة مع الحرس الثوري، قد يكون في قاعدة عسكرية محصنة تدير العمليات في الحرب. هذا السيناريو يعكس تحول القيادة الإيرانية نحو العسكرة في زمن الحرب.
4- جريح يتعافى في مكان سري
التقارير تشير إلى أنه ربما أصيب في الهجوم الذي قتل والده. إذا كان هذا صحيحا، فقد يكون في مستشفى عسكري سري تحت حراسة مشددة. وهذا يفسر اختفاءه الإعلامي الكامل

شخصية بين الصرامة والغموض يصفه خصومه بأنه محافظ متشدد، ويحمّلونه مسؤولية دور في قمع احتجاجات الاحتجاجات الإيرانية 2009. لكن داخل النظام الإيراني، ينظر إليه بطريقة مختلفة تماما: رجل شديد الانضباط, قريب من المؤسسة الأمنية, قليل الكلام يميل للعمل بعيدا عن الأضواء هذه الصفات جعلته، بالنسبة للبعض، الوريث الطبيعي لوالده. في الصراعات الدولية، هناك نوعان من القادة:
– القادة الذين تعتمد قوتهم على الخطابات
– القادة الذين تعتمد قوتهم على شبكات النفوذ
مجتبى خامنئي ينتمي بوضوح إلى النوع الثاني. فهو مرتبط بعلاقات قوية مع: الحرس الثوري, المؤسسة الدينية, شبكات النفوذ الاقتصادية المرتبطة بالدولة وهذا يعني أن النظام قد يصبح أكثر تماسكا وليس أضعف. لماذا يريد خصوم إيران القضاء عليه بسرعة؟

في علم السياسة، هناك مفهوم يسمى رمزية البقاء. إذا قتل القائد، قد يضعف النظام. لكن إذا نجا القائد من محاولة اغتيال، فقد يتحول إلى رمز, لهذا يخشى خصوم إيران أن يتحول إلى أسطورة مقاومة إذا بقي حيا خلال الحرب. تماما كما حدث مع قادة آخرين في التاريخ. إيران اليوم ليست مجرد دولة تخوض حربا إنها تعيش تحولا تاريخيا: انتقال السلطة بعد اغتيال المرشد, حرب إقليمية مفتوحة, ضغط دولي هائل وفي وسط هذا المشهد يقف رجل غير مرئي. مرشد أعلى…لكن بلا ظهور. المفارقة الكبرى في عصر الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي، حيث يمكن رؤية أي شيء تقريبا من الفضاء… أحد أقوى الرجال في الشرق الأوسط غير مرئي. وهذا الغياب قد يكون مقصودا. ففي بعض الأحيان، تكون السلطة الحقيقية أكثر قوة عندما تبقى في الظل.
