بقلم زكية لعروسي, باريس
لم يكن الخبر الذي صدر عن الوضع الصحي بالمستشفى الإقليمي مولاي عبد الله بمدينة سلا مجرد بيان نقابي عابر، ولا مجرد جدل إداري حول أجهزة الأشعة أو نقص الموارد البشرية. بالنسبة إليّ، كان أشبه بجرس إنذار داخلي أيقظ غضبا قديما وجرحا لا يزال مفتوحا في ذاكرة الكثير من الأسر المغربية. فالحديث عن تعطل جهاز هنا، أو نقص تقني هناك، قد يبدو في لغة التقارير مجرد اختلالات تدبيرية. لكن الحقيقة التي لا تكتب في البلاغات ولا تقال في الاجتماعات هي أن هذه الاختلالات يدفع ثمنها دائما نفس الطرف: المريض البسيط.
حين قرأت ما يحدث في مستشفى سلا، عاد إلى ذهني مشهد عشته, قبل أيام فقط، أصيب أحد الأقارب بأزمة قلبية حادة بمدينة مكناس. لحظة بين الحياة والموت. عيون العائلة تترقب تدخلا طبيا سريعا… لكن السؤال الأول لم يكن عن حالته الصحية، بل عن قدرتنا على الدفع. قيل لنا ببرود: إن أردتم إنزال المريض لإنقاذه وتركيب”الستانس”، عليكم تدبير ستين ألف درهم. ستون ألف درهم؟…في لحظة يكون فيها القلب على وشك التوقف.

الرجل ليس صاحب شركة ولا تاجرا كبيرا. إنه إمام مسجد، يقف كل يوم أمام الناس يدعو إلى الرحمة والعدل. لكن حين احتاج هو إلى الرحمة، اكتشف أن الرحمة نفسها صارت مكلفة. في تلك اللحظة أدركت أن المشكلة ليست فقط في جهاز رنين مغناطيسي لم يشغَّل بعد، ولا في جهاز إيكوغرافيا يفتقر إلى الجودة، ولا حتى في صراع البلاغات بين النقابة والإدارة. المشكلة أعمق بكثير: أزمة ضمير. هناك اليوم من حول الطب من رسالة إنسانية إلى مشروع استثماري. من يرى في المريض فرصة مالية لا حالة إنسانية. من يقيس قيمة الحياة بسمك المحفظة.
نعم، لا يمكن تعميم الاتهام. فبين الأطباء من يشتغلون بصمت ونبل، ويقدمون تضحيات كبيرة داخل مستشفيات عمومية تعاني أصلا من ضعف الإمكانيات. هؤلاء يستحقون الاحترام والدعم. لكن في المقابل، هناك أيضا من أساء إلى المهنة، ومن جعل المواطن يفقد ثقته في أكثر المرافق حساسية: المستشفى. ما يحدث اليوم خطير. حين يصبح الفقير خائفا من دخول المستشفى. حين تتحول غرفة الطوارئ إلى غرفة حسابات. حين يسأل المريض عن المبلغ قبل أن يسأل عن الألم. في تلك اللحظة، لا نتحدث فقط عن أزمة صحية… بل عن أزمة أخلاقية. القضية التي أثارها المستشفى الإقليمي بسلا يجب ألا تختزل في ردود متبادلة أو تبريرات إدارية. لأنها في العمق تعكس سؤالا أكبر بكثير: من يحمي كرامة المريض المغربي؟ ومن يحرس ضمير المهنة التي يفترض أن تكون أسمى المهن الإنسانية؟
فالمستشفى ليس إدارة عادية، والطبيب ليس موظفا تقنيا فقط. كلاهما يقفان يوميا على الحد الفاصل بين الحياة والموت. وحين يغيب الضمير عن هذه اللحظة، تتحول المأساة من حادث فردي إلى ظاهرة اجتماعية مؤلمة. لقد كتبنا كثيرا عن إصلاح المنظومة الصحية، وسمعنا وعودا كثيرة عن تعميم التغطية الصحية وتحسين الخدمات. لكن كل تلك المشاريع تفقد معناها حين يقف مريض بسيط أمام باب العلاج ويقال له: ادفع أولا… ثم سنرى إن كان بإمكاننا إنقاذك. إن ما نراه اليوم ليس مجرد خلل إداري عابر. إنه إنذار أخلاقي حقيقي. لأن المجتمع الذي تصبح فيه الحياة سلعة، والمرض فرصة للربح، هو مجتمع يسير بصمت نحو فقدان إنسانيته. ولهذا أقولها بوضوح: ما نراه على السطح مجرد جزء صغير من الصورة…أما الحقيقة الكاملة، فما خفي فيها كان أعظم.
