بقلم د.زكية لعروسي, مختصة في النحو والحضارة العربية
في مدينة يقال عنها عاصمة الأنوار، يقف متحف اللوفر مثل معبد حديث، تزدحم عند أبوابه اللغات والخرائط والكاميرات، بينما ترتفع الأسعار كأنها أبراج غير مرئية تفصل بين من يملك ثمن الرؤية ومن يكتفي بالنظر من الخارج. القرار برفع سعر التذكرة على السياح من خارج الاتحاد الأوروبي لا يبدو مجرد إجراء مالي، بل علامة على تحول أعمق في علاقة الثقافة بالمال، وفي موقع الفن داخل اقتصاد عالمي يزداد قسوة. اللوفر لم يكن مجرد متحف. كان وعدا رمزيا بأن الجمال مشاع، وأن روائع البشرية يمكن أن تعرض خلف زجاج شفاف لا خلف أسوار طبقية. لكن حين يصبح الدخول إلى هذا الفضاء مرهونا بقدرة شرائية أعلى، يتحول الرمز شيئا فشيئا إلى امتياز. كأن النور ذاته صار يخضع لتعريفة جمركية.
المفارقة أن المؤسسة التي تتعرض اليوم لانتقادات حادة داخل الجمعية الوطنية، وتتهم بأنها صارت دولة داخل الدولة، وبأن إدارتها تعاني من اختلالات، تجد نفسها في الوقت نفسه مضطرة إلى البحث عن موارد إضافية. ثلث ميزانيتها تقريبا من المال العام، والباقي من التذاكر والرعايات والمتاجر. هنا تتجسد معضلة الثقافة المعاصرة: هل هي خدمة عامة أو صناعة سياحية فاخرة؟ هل هي حق رمزي أم منتج ضمن سوق التجارب العالمية؟ حين يتهم نواب المتحف بضعف الحوكمة، ويستعدون للاستماع إلى وزيرة الثقافة ومديرته، فإن النقاش لا يقتصر على حادث تقني. إنه نقاش عن طبيعة الثقافة في زمن الدولة الإدارية المتضخمة و الاقتصاد النيوليبرالي. الثقافة لم تعد مجرد تراكم رمزي، بل صارت أيضا علامة تجارية، منصة اشعاع، ورافعة جذب سياحي. وحين تتقدم لغة الإشعاع والأرقام، تتراجع لغة الرسالة. فالفقير، سواء كان طالبا من أميركا اللاتينية أو باحثا من إفريقيا أو شابا يحلم برؤية الموناليزا مرة في حياته، يجد نفسه أمام سؤال بسيط ومؤلم: هل الجمال لي ايضا؟ أم أن علي أن اكتفي بصور عالية الدقة على شاشة هاتفي؟
هكذا تتحول الثقافة من تجربة حية الى استهلاك رقمي بديل، ويصبح المتحف نفسه فضاء طبقيا مغلفا بخطاب كوني. في العمق، ما يحدث ليس معزولا. الجامعات ترفع رسومها، المسارح تبحث عن رعاة، دور النشر تقيس العناوين بمؤشرات المبيعات. كل شيء يخضع لمنطق الجدوى. الثقافة التي كانت توصف بأنها روح الأمة، صارت مطالبة بأن تثبت مردودها. ومع كل أزمة مالية أو أمنية، يكون أول الحلول وأسهلها: رفع الأسعار، تقليص الوصول، تحويل الضوء إلى خدمة مدفوعة.
لكن الضوء حين يحتكر يفقد بعض معناه. المتحف الذي يخزن أعمالا نجت من الحروب والثورات لأجل أن تراها أعين البشر كافة، يخاطر اليوم بأن يتحول إلى فضاء انتقائي. ليس بسبب نية إقصائية معلنة، بل بفعل تراكمي منطق اقتصادي يضغط على كل المؤسسات العامة.
الثقافة حين تغلق أبوابها جزئيا في وجه من يبحث عن شيء من النور، تفقد دورها كجسر. وتتحول من مساحة لقاء إنساني إلى محطة في مسار سياحي فاخر. والسؤال الذي يطفو بهدوء خلف كل هذه القرارات ليس كم سيدر رفع الأسعار من ملايين إضافية، بل أي معنى سيتبقى لكلمة متحف وطني، اذا صار الدخول اليه امتيازا لا حقا رمزيا. ربما لا يزال الباب مفتوحا، وربما لا تزال هناك أيام مجانية وتخفيضات. لكن المزاج العام يوحي بأن الثقافة تسير على حبل مشدود بين رسالتها الكونية وحاجتها الى التمويل. وفي هذا التوازن الهش، يخشى المرء أن يصبح النور سلعة أخرى، وأن يضطر من يريد شيئا من الجمال أن يبرر استحقاقه له ببطاقة ائتمان لا بشغف قلبه.
