بريطانيا: قراءة في الجغرافيا الاقتصادية

بقلم د.زكية لعروسي

شكّلت المملكة المتحدة، منذ القرن التاسع عشر، مختبرا مبكرا للرأسمالية المالية المعولمة. وقد أتاح نظام الـ “remittance basis” – المكرّس منذ 1799 – للنخب الأجنبية المقيمة (non-doms) الاستفادة من إعفاءات واسعة على الدخل المتولد خارج البلاد، ما جعل لندن مركز جذب فريدا لرؤوس الأموال العابرة للحدود. غير أن إصلاح مارس 2024، الذي قلّص فترة الإعفاء إلى أربع سنوات ووسّع نطاق الضريبة على الميراث بنسبة 40% لتشمل الأصول الخارجية، مثّل تحوّلا بنيويا في فلسفة الجذب الضريبي البريطانية. فالدولة التي بنت مكانتها المالية على “مرونة ضريبية تنافسية” انتقلت إلى مقاربة أقرب إلى إعادة توزيع الثروة وتعزيز العدالة الجبائية. النتيجة المعلنة: مغادرة أكثر من 27 ألف مليونير خلال عامين، وفق تقديرات مؤسسات استشارية، مع خسارة سنوية تقديرية تقارب 460 ألف جنيه إسترليني لكل مغادر. غير أن القراءة الجيو-اقتصادية تقتضي تجاوز الأرقام الخام نحو تحليل أعمق للبنية الحاكمة لهذه الظاهرة.

– الجغرافيا الضريبية بوصفها أداة سيادة

في عالم ما بعد العولمة الليبرالية، لم تعد الضريبة أداة مالية فحسب، بل غدت أداة سيادة جيو-اقتصادية. فالمنافسة بين الدول لم تعد تُدار فقط عبر التعريفات الجمركية أو أسعار الفائدة، بل عبر “خرائط الإقامة الضريبية” للنخب الثرية.

1- لندن بين الانكماش وإعادة التموضع

لندن، وخصوصا حي المال المعروف باسم City of London، شكّلت لعقود عقدة مركزية في الشبكة المالية العالمية. غير أن تداعيات Brexit، وتباطؤ النمو، وتزايد الجدل حول العدالة الضريبية، قلّصت من “علاوة الجاذبية” التي تمتعت بها المدينة. فالهجرة الحالية ليست فقط رد فعل ضريبي، بل تعبير عن إعادة تموضع استراتيجي لرؤوس الأموال في فضاء متعدد الأقطاب، حيث تتنافس مراكز مثل دبي وسنغافورة وزيورخ على استقطاب الثروة السيّالة.

2- المقارنات الدولية: النرويج وكاليفورنيا

ما حدث في النرويج بعد رفع ضرائب الثروة، وفي كاليفورنيا عقب تشديد الضرائب على أصحاب الثروات، يعكس ظاهرة أوسع: “الهجرة الانتقائية لرأس المال البشري المالي”. غير أن الدراسات المقارنة تشير إلى أن الأثر الصافي على المالية العامة ليس دائماً سلبياً؛ ففي حالات عديدة، تؤدي زيادة العبء الضريبي على القاعدة الباقية إلى تعويض جزئي أو كلي لخسارة المغادرين، خصوصا إذا كانت الثروة المهاجرة تعتمد على دخل عالمي يصعب تتبعه ضريبيا.

– بين الاقتصاد السياسي والاقتصاد السلوكي للنخبة

ينبغي فهم هجرة المليونيرات ضمن ثلاث طبقات تحليلية:

1- طبقة مالية مباشرة: خسارة ضريبية آنية مقابل إيرادات متوقعة إضافية (تقدير الخزانة البريطانية بنحو 39.5 مليار جنيه خلال خمس سنوات).

2- طبقة استثمارية: احتمال تراجع الاستثمار المحلي أو انتقال مقار شركات عابرة للحدود.

3- طبقة رمزية-سياسية: صورة الدولة كمركز صديق للأعمال.

إلا أن النخب الثرية لا تتحرك بدافع الضرائب فقط؛ فالأمن، جودة التعليم، الاستقرار القانوني، والروابط الشبكية تلعب أدوارا حاسمة. ولهذا فإن الانتقال من لندن إلى ملاذ ضريبي أقل تكلفة لا يعني بالضرورة القطيعة مع السوق البريطانية.

– المفارقة البنيوية.. هل تخسر الدولة أم تعيد توزيع القوة؟

من منظور جيو-اقتصادي، قد لا يكون السؤال: كم تخسر الدولة؟ بل: أي نموذج اقتصادي تريد الدولة ترسيخه؟ إذا كانت بريطانيا تسعى إلى تقليص اعتمادها على اقتصاد “الأوليغارشية المالية”، فإن تضييق الامتيازات الضريبية يشكّل محاولة لإعادة توجيه البنية الإنتاجية نحو قطاعات أكثر ارتباطا بالاقتصاد الحقيقي. لكن الخطر يكمن في انزلاقها إلى موقع تنافسي أدنى في “سباق الجاذبية الرأسمالية”، حيث تتحول الضرائب إلى أداة نزف للسيولة العابرة للحدود.

– في سياق النظام الدولي المتحوّل

الهجرة الرأسمالية من المملكة المتحدة تعكس تحوّلا أعمق في النظام الدولي:

ـ تآكل مركزية الغرب المالي.

ـ صعود مراكز سيولة آسيوية وخليجية.

ـ ازدياد حساسية رأس المال تجاه المخاطر التنظيمية.

في هذا السياق، لا يمكن قراءة الظاهرة بمعزل عن إعادة تشكيل خرائط القوة الاقتصادية بعد جائحة كورونا، وأزمة الطاقة، وتصاعد النزعات الحمائية. على الوجيز, تقف المملكة المتحدة أمام معادلة دقيقة:

1- العدالة الاجتماعية تقتضي تقليص الامتيازات الضريبية للنخب فائقة الثراء.

2- الكفاءة الجيو-اقتصادية تقتضي الحفاظ على موقعها كمحور مالي عالمي.

إن نزوح المليونيرات هو اختبار لقدرة الدولة على إعادة تعريف عقدها الاجتماعي دون أن تفقد موقعها في شبكة الرأسمالية المعولمة. وقد يكون الدرس الأهم أن الثروة في القرن الحادي والعشرين لم تعد مرتبطة بجغرافيا ثابتة، بل تتحرك وفق منطق السيادة القابلة للتفاوض. والدول التي تنجح هي تلك التي توازن بين جذب رأس المال وصون الشرعية الاجتماعية، دون أن تقع في فخ سباق لا نهائي نحو القاع الضريبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *