بقلم زكية لعروسي, باريس
بين ألسنة الصواريخ وانفجارات الحرب في الشرق الأوسط، يقف التراث الإنساني عاجزا، مستسلما أمام قوة التدمير، وكأن الحضارة نفسها تختبر على ألسنة القذائف. من قصور شهال سوطون الفارسية إلى متحف تل أبيب الباوهاوس، كل حجر، كل نافذة، كل فسيفساء يروي آلاف السنين من الذاكرة البشرية، لكنها اليوم تواجه سؤالا محوريا: أين اليونسكو؟ وكيف لها أن تجعل صواريخ الحرب تتوقف لحظة لتصغي إلى صوت التاريخ؟

لقد أصبحت اليونسكو، وبرنامج البوق الأزرق، كصوت أخلاقي يحاول حماية ما تبقى من الإرث الثقافي، لكن في وجه آلة الحرب، تبدو الرمزية عاجزة أحيانا. هل يمكن لشهادة عالمية مثل التراث الفارسي أن تجد صدى في عالم تتداخل فيه السياسة بالقوة العسكرية؟ وكيف لحرب الصواريخ أن تُولي اهتمامًا بالحدائق التاريخية أو الفسيفساء العريقة، بينما مصابيح الانفجار تحرق كل شيء في طريقها؟
الأمر ليس مجرد حماية مادية. فكل قصر يقصف، وكل كنيسة أو معبد يدمر، هو محو لجزء من الهوية الإنسانية، وإلغاء لصوت الماضي الذي يشهد على إبداع الإنسان وفهمه للعالم. هنا، يطرح التاريخ فلسفته: هل يستطيع الإنسان حماية نفسه من نفسه؟ وهل اليونيسكو كافية لجعل صوتها يسمع وسط هدير الحرب، أم أن التراث أصبح ضحية للتقلبات الجيوسياسية قبل أي اعتبارات ثقافية؟
في هذا السياق، يبدو البُوق الأزرق أكثر من مجرد هيئة، إنه رمز للوعي الحضاري، محاولًا ربط الفلسفة بالجغرافيا والسياسة بالعاطفة. حماية التراث إعلان عالمي بأن للحضارة صوتا لا يمكن أن يمحى، وأن لكل حجر قيمة في تشكيل فهم الإنسان لذاته وللآخرين. لكن صواريخ الحرب لا تعرف الفلسفة، ولا تفرق بين الماضي والحاضر، ما يجعل مهمة اليونسكو أشبه بمحاولة مقاومة المد في محيط هائج، حيث كل خطوة حذرة قد تُحدث فرقًا بين البقاء والمحو.
وهكذا، يظل السؤال مطروحا على العالم: هل تستطيع اليونيسكو والعالم الاستماع إلى صرخة التاريخ قبل أن تمحى آثار الحضارة الفارسية والعربية والشرق أوسطية، أم أن الحرب ستبقى دائمًا أسرع من وعي الإنسانية؟ وفي هذا الصراع بين الصواريخ والذاكرة، نجد أن قيمة التراث ليست فقط في حجمه أو عمره، بل في قدرته على تحدي النسيان، حتى في أعتى لحظات الحرب.
