باريس: تشابكات الجغرافيا السياسية وتهديدات

بقلم زكية لعروسي, باريس

شهدت باريس صباح 28 مارس 2026 حادثة أمنية خطيرة تمثلت في إحباط محاولة تفجير أمام مقر بنك أمريكا، في قلب الدائرة الثامنة الراقية. ورغم أن العملية أُحبطت في مراحلها الأخيرة، فإن دلالاتها السياسية والأمنية تتجاوز بكثير تفاصيلها الميدانية، لتفتح الباب أمام تساؤلات معقدة حول طبيعة التهديد الإرهابي في أوروبا اليوم، وعلاقته بالصراعات الدولية، خصوصا حرب الشرق الأوسط.

المعطيات الأولية تشير إلى نموذج بات مألوفا لدى الأجهزة الأمنية: فرد تم تجنيده عبر تطبيقات مثل اسناب شات مقابل مبلغ مالي زهيد (600 يورو)، لتنفيذ هجوم بوسائل بدائية. هذا النمط يعكس تحولا مهما: لم يعد الإرهاب يعتمد فقط على خلايا منظمة. بل أصبح يعتمد على “مقاولين أفراد” يسهل تجنيدهم  واستبدالهم. الكلفة منخفضة، لكن التأثير الإعلامي والسياسي كبير. هذا ما يسميه بعض الباحثين بـ”الإرهاب المفكك” (Fragmented Terrorism)، حيث تختلط الجريمة المنظمة بالتطرف، ويصعب تحديد الخط الفاصل بينهما.

تصريحات وزير الداخلية لوران نانيز تربط بين الحادثة وسلسلة هجمات في أوروبا، مع إشارات إلى مجموعات موالية لإيران. لكن التحليل يتطلب الحذر: نعم، هناك سياق دولي واضح: تصاعد التوترات في الشرق الأوسط غالبًا ما ينعكس في أوروبا عبر عمليات رمزية تستهدف مصالح غربية أو مواقع مرتبطة باليهود. لكن لا يوجد دليل قاطع حتى الآن على تورط مباشر لإيران كدولة. ما يطرح هو فرضية “الوكلاء” ، وهي أدوات غير مباشرة تستخدمها بعض الدول لتجنب المواجهة المباشرة. المجموعات التي ظهرت مؤخرا على تلغراف, وتبنت هجمات في بلدان مثل بلجيكا وهولندا تندرج ضمن هذا الإطار الرمادي: ليست تنظيمات تقليدية مثل أسآس، لكنها أيضا ليست مجرد مبادرات فردية.

فرنسا ليست فقط هدفا، بل هي بيئة حساسة لهذه التوترات بسبب عدة عوامل: التنوع الديني والعرقي المجتمع الفرنسي يضم جاليات متعددة، بينها مسلمة ويهودية، ما يجعل أي صراع خارجي قابلا للانعكاس داخليا. الإرث التاريخي للإرهاب من هجمات 2015 إلى اليوم، لا يزال شبح الإرهاب حاضرا في الوعي الجماعي. الهشاشة الاجتماعية بعض الأفراد الذين يتم تجنيدهم ليسوا بالضرورة مؤدلجين، بل: مهمشون اقتصاديا لديهم سجل إجرامي يبحثون عن المال أو “معنى” لحياتهم وهذا ما ظهر في حالة المشتبه به.

السؤال المطروح حساس ويحتاج تفكيكا دقيقا: الشيعة كطائفة دينية: لا يمكن اختزالهم في مشروع سياسي أو أمني. الحديث عن “تورط الشيعة” بشكل عام هو تبسيط مخل وخطير. إيران كدولة: لديها تاريخ في استخدام شبكات نفوذ خارجية، لكن: لا يوجد حتى الآن دليل مباشر في هذه القضية. حتى التصريحات الرسمية الفرنسية تتحدث عن “تشابه” وليس “إثبات”. الأرجح أننا أمام منطقة رمادية: شبكات صغيرة, تحريض أيديولوجي, استغلال أفراد ضعفاء, وربما دعم غير مباشر، لكن غير مثبت الإرهاب اليوم في أوروبا لم يعد كما كان في العقد الماضي: الماضي, الحاضر, تنظيمات مركزية, شبكات مفككة, تمويل كبير, تمويل بسيط, تخطيط طويل, تنفيذ سريع, إيديولوجيا واضحة, خليط من الدوافع

هذا التحول يجعل المواجهة أكثر تعقيدا، لأن العدو لم يعد واضح المعالم. حادثة باريس ليست مجرد محاولة تفجير فاشلة، بل هي مؤشر على مرحلة جديدة من التهديدات: حيث تتداخل الجريمة مع السياسة ويتقاطع المحلي مع الدولي وتستخدم الصراعات الخارجية لتغذية توترات داخلية أما السؤال “من وراء ذلك؟” فلا يزال مفتوحا. لكن الأكيد أن فرنسا، مثل بقية أوروبا، تواجه تهديدا متعدد الأوجه، لا يمكن اختزاله في جهة واحدة، بل هو نتاج تفاعل معقد بين:

– الجغرافيا السياسية

– التحولات الاجتماعية

– والتكنولوجيا الحديثة

وهذا ما يجعل “الحابل يختلط بالنابل” كما جاء في سؤالك، ليس كتشبيه بل كواقع أمني وسياسي فعلي.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *