باريس على حافة العنف…حين تستفز الأسئلة

بقلم زكية لعروسي, باريس

باريس، التي طالما قدِّمت بوصفها عاصمة النور، بدت في ذلك الصباح وكأنها تقف على تخوم عتمة رمزية، لا ترى بالعين المجردة بقدر ما تُحَسّ في ارتباك الإيقاع العام. أمام مقر بنك أوف أميركا، في الدائرة الثامنة، لم يكن الحضور الأمني المكثف مجرد إجراء احترازي، بل كان تعبيرا صامتا عن عالم يزداد توترا، وعن مدينة باتت، مثل غيرها من الحواضر الكبرى، تعيش على إيقاع تهديدات غير مرئية.

في جولة ميدانية قرب موقع الحادث، تتقاطع روايات المارة بنبرة واحدة: “لم نعد نفاجأ، لكننا لم نعتد”. عبارة تختزل تحوّل الخوف من صدمة استثنائية إلى حالة شبه يومية، تتسلل إلى الوعي الجماعي دون أن تستقر فيه. أحد أصحاب المحال القريبة أشار إلى أن حركة الشارع توقفت فجأة، “ليس بدافع الذعر، بل بدافع الحذر”، وكأن المدينة تعلّمت أن تطأ خطواتها دون أن تتوقف. السلطات الفرنسية، عبر النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب، وسّعت دائرة التحقيق بتوقيف مشتبهين إضافيين، فيما تم تمديد احتجاز قاصر يعتقد بصلته بالمخطط. غير أن المعطيات الأمنية، على أهميتها، لا تروي القصة كاملة. فخلف الأرقام والتوقيفات، تتشكل طبقة أعمق من الأسئلة: كيف يتحول شاب في مقتبل العمر إلى نقطة تقاطع بين فكرة العنف وإمكانية الفعل؟ وأي سرديات كبرى أو صغرى تدفعه إلى تخيّل العالم كهدف؟

التلميح الرسمي إلى ارتباط محتمل بالسياق المتفجر في الشرق الأوسط لا يمكن قراءته كخيط مباشر بقدر ما هو مؤشر على تشابك الأزمنة. فالحروب لم تعد تخاض فقط في ميادينها، بل تمتد كظلال طويلة إلى مدن بعيدة، حيث تتخذ أشكالا جديدة، أكثر غموضا وأشد مراوغة. إننا أمام جغرافيا مختلفة للعنف، لا تحدها الحدود، بل تغذيها الصور والخطابات والتوترات العابرة للقارات. في هذا الإطار، لا يعود السؤال أمنيا صرفا، بل يصبح وجوديا: هل نعيش في زمن فقد القدرة على إنتاج المعنى، فصار العنف بديلا مشوها عنه؟ حين يعجز العالم عن إقناع أفراده بجدوى الانتماء، تظهر أشكال متطرفة من “البحث عن معن”، حتى وإن جاءت عبر التدمير.

ومع ذلك، فإن إحباط العملية قبل وقوعها يطرح مفارقة دقيقة: النجاح الأمني، بقدر ما يطمئن، يكشف أيضا عن حجم التهديد الكامن. إنه انتصار وقائي، لكنه لا يلغي السؤال عن المنابع. فالأمن يستطيع أن يوقف الفعل، لكنه لا يستطيع وحده أن يطفئ الفكرة. في شوارع باريس، عادت الحياة إلى وتيرتها سريعا، كما لو أن المدينة تملك غريزة قديمة في الترميم الذاتي. غير أن ما لا يرى هو ذلك الأثر الخفي الذي تتركه مثل هذه الأحداث في الوعي الجمعي: شعور بأن العالم لم يعد صلبا كما كان، وأن الطمأنينة أصبحت بناء هشا، يحتاج إلى أكثر من إجراءات أمنية ليصمد.

ربما لا تكمن خطورة هذا الحدث في ما كان يمكن أن يحدث فقط، بل في ما يكشفه: عالم يتشقق من الداخل، حيث تتجاور الحداثة مع القلق، والقوة مع الهشاشة، والانفتاح مع الخوف. وبين هذه التناقضات، يقف الإنسان المعاصر حائرا، يحاول أن يفهم كيف أصبح العنف لغة محتملة في زمن كان يفترض أن يكون أكثر وعيا هكذا، لا تبدو باريس اليوم مجرد مسرح لواقعة أمنية أحبطت، بل مرآة لعصر بأكمله، عصر تختبر فيه قدرة المجتمعات على حماية نفسها، لا فقط من الخطر الخارجي، بل من الانكسارات الصامتة التي تتشكل في الداخل.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *