ثقافة الانقياد في الوعي العربي

mohamed

بقلم الكاتب ابراهيم ردّاد، سوريا

بين سطوة المثال وضغط الواقع يحدثنا الناس كثيرا عن قوة الشخصية العربية، ويصفونها بالصلابة و الاعتزاز والكبرياء، ولكنك إذا نظرت إلى الواقع الاجتماعي نظرة فاحصة، بعيداً عن الخطب الرنانة والأشعار الحماسية،والأغاني الملتهبة، وجدت ظاهرة أخرى تسير جنبا إلى جنب مع هذا الاعتزاز، وهي ظاهرة الانقياد. والعجيب في الأمر أن الفرد العربي قد يتمرد على أضعف سلطة قريبة منه، كمدير دائرة صغير أو موظف بسيط، أو ينفجر في وجه أخيه أو جاره أو ابن حارته أو ابن قبيلته ،ولكنه يخضع خضوعا كاملا لمن يعتقد أن له سلطة أو مكانة أعلى ، أو أقوى ، فهو لا يقيس الأمور دائما بميزان العقل، بل بميزان السلطة والقدرة على المحاسبة.

 عاش الإنسان العربي قرونا طويلة في ظل أنظمة تقوم على الطاعة أكثر مما تقوم على المشاركة – خلفاء, حكام, مستعمرون واحتلالات – فتعلم منذ طفولته أن فضيلة الإنسان ليست في أن يفكر، بل في أن يطيع، فالطفل الصالح هو الذي لا يناقش أباه، والتلميذ المجتهد هو الذي لا يجادل معلمه، والمواطن الصالح هو الذي لا يعترض على الحاكم ، والزوج الجيد هو الذي يسيطر على زوجته بالضرب والصراخ والإهمال ،وهكذا نشأ وهو يربط الأخلاق بالانقياد للسلطة كيف ما كانت خلفيتها. ومن هنا نشأ التناقض العجيب في الشخصية العربية، فهو من جهة يعتز بكرامته اعتزازا شديدا، ومن جهة أخرى يتنازل عن هذه الكرامة بسهولة إذا واجه سلطة أقوى ونفوذ أعم، وقد يثور فجأة، لا لأن طبعه ثوري بطبيعته، بل لأن صبره قد نفد بعد تراكم طويل من الكبت.

المشكلة ليست في الفرد وحده، بل في البناء الاجتماعي الذي يربي هذا الفرد ، فالمجتمع الذي لا يسمح بالنقاش الحر، ولا يشجع على التفكير المستقل، يصنع أفراداً يخافون من الخروج عن السائد، وهم في قرارة أنفسهم قد لا يقتنعون بما يفعلون، ولكنهم يفعلونه لأن الجميع يفعلونه، من باب العرف والمعتقد والعادة . الإنسان العربي، في هذا، ليس حالة استثنائية خارجة عن قوانين الاجتماع، بل هو نتيجة طبيعية لظروفه، فهو يتغنى بالمثاليات في كلامه، ولكنه يعيش الواقع بإكراهاته في سلوكه، ولهذا قد تجده يمدح الشجاعة، ولكنه يتصرف بحذر شديد، ويمجد الحرية، ولكنه يخشى أن يدفع ثمنها. إن تحرير الشخصية العربية لا يكون بالخطب الحماسية، ولا بالمقابلات التلفزيونية ، ولا بممارسة الطقوس الدينية ، ولا بمدح أمجاد الماضي، بل بتغيير الظروف التي تصنع هذا الإنسان، فعندما يشعر الفرد أن له قيمة حقيقية، وأن صوته مسموع، وأنه لا يعاقب لأنه فكر، عندئذ فقط يتعلم أن يقف على قدميه، لا تابعا، بل إنساناً حرا، فالإنسان، في نهاية الأمر، ليس كما يقول، بل كما تسمح له ظروفه أن يكون.

ليس من السهل أن نطلب من الإنسان العربي أن يتحرر من الانقياد، لأننا بذلك نطلب منه أن يتحرر من تاريخ طويل يسكن في داخله،وتراكمات تترسب عبر الوقت حتى أفرزت ما يشبه المجتمع الذي بات على قناعة مترسخة أن الانقياد عنده ليس مجرد سلوك طارئ، بل هو عادة اجتماعية تعلمها كما تعلم لغته، ويمارسها كما يمارس أكله وشربه وغرائزه. أول خطوة في الحل هي أن نعترف بأن المشكلة ليست عيبا أخلاقيا في الفرد، بل هي نتيجة تربية طويلة تقوم على التلقين لا على التفكير، فنحن نعلم أبناءنا ماذا يفكرون، ولا نعلمهم كيف يفكرون ،ولهذا يكبر الواحد منهم وهو يخاف من السؤال أكثر مما يخاف من الجهل. وإن المدرسة، مثلا، تستطيع أن تلعب دورا خطيرا في هذا المجال، فهي إما أن تصنع عقلا حرا، أو تصنع عقلا تابعا، فالطالب الذي يكافأ لأنه حفظ الكلام كما هو، سيتعلم أن النجاح في الطاعة لا في الفهم، أما إذا شجعناه على المناقشة، فسيتعلم أن له عقلا يمكن أن يستخدمه، ويمكن أن يختلف وأن يعارض وأن يستنتج. وكذلك الأسرة، فإن الأب الذي يمنع ابنه من إبداء رأيه بحجة الاحترام، إنما يعلمه الخضوع لا كما يعتقد أنه يعلمه الاحترام ، فالاحترام الحقيقي لا يعني إلغاء شخصية الآخر، بل الاعتراف بها وتنميتها.

ومن الحلول أيضا أن يشعر الإنسان بالأمان، فالخائف لا يمكن أن يكون حرا، لأن الحرية تحتاج إلى شجاعة، والشجاعة لا تولد في قلب يرتجف من العقاب، فعندما يأمن الإنسان على حياته و رزقه وكرامته، يبدأ بالتفكير بصوت مرتفع، ويبدأ بالبحث عن مصلحته والفرز بين الصادق والكاذب ،وبين الجميل والقبيح. ولا ينبغي أن نتصور أن التغيير يحدث فجأة، فالمجتمع لا يتغير بقرار، بل يتغير ببطء، وبطريقة مدروسة ، هي نفس تلك الطريقة التراكمية التي أسست لهذا الانقياد ،وكل جيل يضيف خطوة صغيرة، والمهم أن تبدأ الخطوة. إن الإنسان العربي ليس عاجزا بطبيعته، بل هو قادر على أن يكون حرا إذا تغيرت الظروف التي تقيده، فهو يحمل في داخله بذور التمرد وبذور الطاعة معا، والظروف هي التي تقرر أي البذور تنمو، وعندما يأتي اليوم الذي يتعلم فيه الإنسان العربي أن يحترم عقله كما يحترم تقاليده، عندئذ فقط تنتهي مشكلة الانقياد، ويولد إنسان جديد، إنسان لا .يسير خلف الآخرين، بل يسير معهم، أو ربما أمامهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *