برقوق مجفف”….ترامب والطعن في الخِلْقة”

Close-up of assorted dried fruits, including prunes and dates, on a white surface.

بقلم زكية لعروسي, باريس

لطالما علمنا الجاحظ، في “البيان والتبيين”، أن “اللسان صورة القلب”، وأن من يعجز عن البيان يلجأ إلى الشتيمة، ومن يعجز عن الحجة يلجأ إلى الوصف الجسدي. فما بالنا برئيس أمريكا – الرجل الذي يساوي ملايير العالم – يتحول فجأة إلى ناقد تجميل؟ يصف بروس سبرينغستين بأنه “قُرَاصِيَة يابسة”، ويعيب على وجهه ما صنعه “جراح تجميل رديء”!

يا للهول! نحن أمام ظاهرة لسانية فريدة: سياسي يمارس السياسة كأنها شتيمة في سوق، وقائد أمة يتخذ من سبِّ المغنين ميدانا للتفاخر. وهنا نتذكر قول الجاحظ: “إياك والتصنع في الكلام، فإنه يدل على ضعف البيان”. أو ليس ضعف البيان أن يلجأ الرئيس إلى “البرقوق المجفف” لمواجهة مغن غنّى للحرية نصف قرن؟

دعنا نتفحص, قارئي العزيز, هذه العبارة مثل وثيقة من العصر العباسي، حين كان الشعراء يُسابّون الأمراء. يقول ترامب – وهو “أمير المؤمنين” بنسخته الأمريكية – عن بروس سبرينغستين: “هذا المغني السيئ والممل، الذي يشبه برقوقة يابسة عانت كثيرا من جراح تجميل رديء” يا سبحان الله! الرجل الذي غنى “Born in the USA” فأبكى ملايين الأمريكيين، والذي جعل “The River” مرثية للطبقة العاملة… هذا يصبح فجأة “برقوقة” في قاموس على ترامب؟ · ترامب يشتكي من أن سبرينغستين ينتقد سياسته في الهجرة، والرئيس يردّ بـ: “وجهه مش مظبوط”! على حد تعبير إخواننا المصريين

ترامب يتهم سبرينغستين بـ”متلازمة اضطراب ترامب”، لكنه هو من لا يستطيع النوم ليلا لأنه لا يطيق أن ينام مغن في السبعين من عمره مرتاح الضمير! وهنا يصدق قول الجاحظ: “إذا رأيت الرجل يطعن في الأنساب والأشكال، فاعلم أنه عاجز عن الطعن في الأفعال والأقوال”. أصبح لسان تراب “لسان حرب”,و البوليس تطبيقا والشتيمة فنا. لقد سبق أن حذر الجاحظ من “القول المُلهِم” والقول المُلهِي”. أما ترامب، فقد ابتكر نوعا ثالثا: القول المُسَبِّب… أي الكلام الذي وظيفته الوحيدة أن يخرِج ما في جوفه من غضب طفولي، لا أن يقنِع أو يبني .لنتأمل هذه الاستراتيجية العجيبة:

الخطوة الأولى: يتهم سبرينغستين بأنه “ممل”

الخطوة الثانية: يصفه بالخضوع لجراح تجميل فاشل

الخطوة الثالثة: يدعو إلى مقاطعته

الخطوة الرابعة: يقول “وفروا فلوسكم”

هذا ليس نقاشا سياسيا. هذا تفريغ عاطفي أمام الملايين، كما لو أن الرئيس يتحدث في غرفة نومه لا على منصة الحكم. وهنا يحضرني قارئي قول الجاحظ في وصف من يخلط بين الجد والهزل:”فمن خلط المزاح بالجد أفسد الأمرين، وأظهر الحمق في الموقفين”. فكيف بمن يخلط بين سياسة دولة ووصف مغن بالبرقوق؟! ولماذا يخاف ترامب من رجل يحمل غيتارا؟ الفيلسوف الألماني نيتشه قال: “كل ما لا يقتلني يجعلني أقوى”. أما ترامب، فيمكننا أن نقول: “كل من يغني ضدي يصبح برقوقة”. لكن السؤال العميق هو: لماذا يهاجم رئيس أمريكا مغني روك في السبعين؟

الجواب، كما يعلم الجاحظ، هو أن اللسان سلاح الضعيف، ومن يملك السلاح الحقيقي لا يحتاج إلى وصف الخصوم بالبرقوق. سبرينغستين لم يفعل شيئا سوى أن قال، في حفلته الأولى: “اختاروا الأمل بدل الخوف، الديمقراطية بدل الاستبداد، السلام بدل الحرب.” هذه جمل عادية. بل هي أساسيات الحكم الرشيد منذ أرسطو. لكنها أصبحت في أمريكا ترامب جريمة تستحق الشتيمة! وهنا يطرق ذاكرتنا مولانا الجاحظ بمقولته الخالدة: “إنما يُضرب المثل بالأسد والأسد لا يهاب الكلاب”. ترامب يهاجم سبرينغستين لأنه يخاف مما يمثله: صوت حر، لا يشتريه المال، ولا يخيفه التهديد.

فترامب ينطبق عليه المثل المغربي الشعبي: “ما قدّوش فيل إيران حتى يضيف فيلة بوليس الهجرة”. ونضيف اليوم: “ما قدر يردّ على أغنية، فهاجم وجه المغني”.فهو اليوم يتصرف كمن يغرق في مستنقع، فيشتم من يقف على الشاطئ لأنه لا يمد يده! بدل أن يتعلم السباحة، يصف من يسبحون بأن “بشرتهم جافة”. وهنا المفارقة الفلسفية الكبرى، كما لو أن أفلاطون التقى الجاحظ: ترامب يظن أنه يرى “الظل” (وجه سبرينغستين) لكنه لا يرى “الحقيقة” (رسالة سبرينغستين). وهو بذلك يؤكد مقولة الكهف: الجالسون في العتمة يظنون الظلال هي كل شيء.

يبقى سؤال واحد يلخص كل شيء: كيف لرجل يدير دولة تمتلك القنابل النووية، أن يصف مغنيا عظيما بـ”البرقوق اليابس”، وهو لا يستطيع أن يردّ على أغنية واحدة من أغانيه؟ الجواب، كما علّمنا الجاحظ منذ ألف عام: “من ضاق صدره بالحجة، اتسع لسانه بالبذاءة”.إننا أمام رئيس يعاني من”ضيق صدر” تاريخي: ضيق صدره عن سماع النقد، عن احتمال الخلاف، عن الاعتراف بالخطأ. وهذا الضيق يتحول على”تروث سوشيال” إلى شتائم تصلح لشارع، لا لبيت أبيض. لو كان ترامب في عصر الجاحظ، لكان صار “نكتة” في “البخلاء”، لا “أسطورة” في “البيان والتبيين”. ولقال فيه الجاحظ ما قال في أمثاله: “هذا رجل يظن أن الطعن في الأجساد يغني عن الطعن في الأفكار”. والله لو أن سبرينغستين غنّى “Born in the USA” مرة أخرى، لقال ترامب: “انظروا إلى ياقته – إنها غير متناسقة مع لون بشرته!” ليس عيبا أن تكون رئيسا وتُهزم بالغيتار. العيب أن تردّ بالبرقوق.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “برقوق مجفف”….ترامب والطعن في الخِلْقة”

  1. في اللسان، اللسن عناد البيان البشري
    يسمى كذلك جارحة ، لذا يوظف في الحروب لكي نجرح الغير بالضغط عليه وتكييفه لينصاع. ولكي يتخذ قوته في هذا الزمن الضنين، يتكلم لغة القوة والتقنية، التي هي لسان حال العالم المعاصر. اللسان الذي يهمس في لسان موظفيه، على رأسهم موظفوا البيت الأبيض والناطو . ويوظفه البعض من هؤلاء بالصمت الذي تشي به الرؤوس النووية. هؤلاء من لم تعد تطيقهم مكروفونات المنتظم الدولي، لبس لسانهم لسان الشعبوية، ثقافة البوز، ثقافة الصحيح.
    من الطبيعي لشخص ماهيته تتنفس هذه الثقافة، أن يتصدى لأصدقاء الأرض، حراس الحقيقة، الذين يقولون ” لا” لسان ” قادة” العصر.د ومواقفهم التي تنهض على لغة الأرقام، الربح والخسارة.. لكن الأرض لها حراسها الذين يتكلمون حكمة الطائر الطنان: الغابة تحترق، كل يفعل ما يلزم فعله، عوض أن تتخذ موقفا في عالم الفرجة. ليس لحفيد هذا الطائر سوى قيتارة لرفع صرخة ” لا” ، أين نحن ذاهبون؟ لنشعل فوانيس النور، عوض إشعال الحروب المدمرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *