“إذا طعنك أحد من الخلف، فاعلم أنك تسير في المقدمة”. تنطبق هذه المقولة على المغرب، الذي وضع نفسه منذ الاستقلال رهن إشارة قارة بأكملها، إلا أن تعاظم هذا الدور مع مرور السنين أغاظ الحاقدين وأثار الحاسدين، فصاروا يكيدون له كيدا ولا يترددون في إخراج أمراضهم القديمة والجديدة وتصريفها بشكل وقح، كلما سنحت لهم الفرصة لذلك.
“الكان”، الذي أسدل الستار عن منافساته الشهر الماضي بالرباط، كان حملة مسعورة،أكثر مما كان عرسا كرويا، حيث بلغ الحقد قمته وأفاض الكأس، المليئة أصلا بالأضغان، بعدما وقف الأعداء والخصوم على حد سواء، بأم أعينهم، على الحقيقة الصادمة لبلد صاعد يرسم طريقه بثبات نحو المستقبل، من خلال التنظيم المحكم، على كل المستويات, والبنيات التحتية الحديثة المدهشة، فتأكد لهم بالملموس أن المغرب ابتعد عنهم مسافات طويلة على درب النماء والتقدم، فثارت ثائرتهم وحاولوا بكل الطرق الخبيثة إفساد العرس الكروي الإفريقي، الذي شهد العالم بأكمله بأنه أفضل نسخة لكأس الأمم الإفريقية لحد الساعة.
ومهما استبد الحقد بالنفوس المريضة، فمن باب حفظ ماء الوجه، من العيب أن يصل إلى هذا الحد، الذي فضح عوراتهم أمام أنظار العالم، الذي عاد ليلصق بـ”الأميرة السمراء” أوصافها القديمة، ولهذا يجب أن يعلم الحاقدون ومن يدور في فلكهم من مأجورين ومرتزقة، والذين حاولوا تقويض جهود المغرب ومنجزاته والنيل من كرم المغاربة ودماثة أخلاقهم أن المغرب لا يمكنه أن يقابل الإساءة بإساءة مماثلة، بل بالخير، لأن هذه هي أخلاقه وأخلاق أهله، حتى وإن استمر الحاقدون في غيهم، فكل شيء يهون من أجل إفريقيا، فالقارة السمراء هي فخر انتماء المغرب والمغاربة.
كما يجب أن يعلم المخربون ومن يحركهم من وراء الستار بأموال شعوبهم أن المغرب وإن كان يسعى للفوز بالكأس، في إطار المنافسة الشريفة، فإن طموحه كان أكبر من ذلك بكثير، فالظفر باللقب لا يساوي شيئا أمام جهود المغرب المضنية ومساهماته في إخراج قارة إفريقيا من تخلفها المزمن واستغلالها الفادح وإعلاء كلمتها في المحافل الدولية، وقد شاءت الأقدار أن يحمل المغرب مشعل هذه المهمة الصعبة، والتي تسببت له في عداوات كثيرة، لم تزد المغرب إلا إصرارا وعزيمة على العمل من أجل إفريقيا آمنة ومطمئنة.
هذا هو المغرب، كما يرى نفسه ويراه الآخرون السويون، الخالية نفوسهم من العقد ومركبات النقص المستعصية على العلاج، مغرب المبادرة الأطلسية لكسر عزلة دول الساحل والصحراء وتزويدها بمنافذ على المحيط الأطلسي، ومغرب أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، وذلك لخدمة حوالي 400 مليون شخص و13 دولة إفريقية وجعل سماء إفريقيا مضاءة أكثر من ظلمات قلوب الحاقدين، أنظمة وجماعات، ومغرب التجريدات العسكرية، التي سقط أبناؤها في ساحة الشرف في أكثر من بلد إفريقي، حرصا على أمن وسلام وطمأنينة “الأميرة السمراء” وأبنائها الأبرار.
المغرب، كما يرفض أن يراه الحاسدون، هو دولة تضع إمكانيات كبيرة لخدمة إفريقيا عبر رؤية استراتيجية شاملة ترتكز على التعاون الاقتصادي، من خلال استثمارات ضخمة في قطاعات حيوية، وأمنيا عبر محاربة الإرهاب، وتنمويا عن طريق البنيات التحتية، الطاقات المتجددة، التحول الرقمي، ناهيك عن الجانب الإنساني، فالمغرب يعد رائدا في سياسة تدبير الهجرة، المدعومة بـ”دبلوماسية القارة”، من خلال أزيد من ألف اتفاقية تم التوقيع عليها خلال الزيارات التي قام بها الملك محمد السادس إلى العديد من البلدان الإفريقية. هذا هو المغرب الذي يزعج ويصدم ويربك، فطبيعي أن تتولد لدى الناقمين مشاعر سلبية، وبالتالي يجب أن نعرف جميعا أن حساد المغرب، على مساره السياسي والتنموي، وعلى أمنه واستقراره، وعلى رصيده التاريخي والحضاري، وعلى اعتزاز المغاربة بوطنهم، سيتزايدون بشكل أكبر في كل خطوة يخطوها إلى الأمام.
غير أن ذلك لن يخيف مغربا رسم طريقه بكل ثقة وهدوء، وتأكد أنها طريق صحيحة وصائبة، وهنا أستحضر مقتطفا من خطاب ملكي سابق، يقول فيه الملك محمد السادس “اللهم كثر حسادنا”. لأن كثرة الحساد تعني كثرة المنجزات والخيرات. أما من لا يملك شيئا، فليس له ما يُحسد عليه.
