تأثيرات التاريخ في الحياة العربية الراهنة

mohamed

ليس التاريخ العربي سردا متحفيا لأحداث منقضية، ولا مخطوطة تقرأ من باب الحنين أو الفخر وحده، بل هو نسيج حيّ تشكّل عبر قرون من التحولات العميقة، والصدمات الكبرى، والتفاعلات المتواصلة بين الجغرافيا والإنسان، وبين السلطة والفكرة، وبين السيف والعقيدة،منذ البدايات الأولى، كان العرب أبناء ذاكرة شفوية، تحفظ الوقائع في الشعر والخبر والأمثال، وتعيد إنتاجها في الوعي المجتمعي باعتبارها معيارا للفعل والحكم الأخلاقي، وحين دخل الإسلام حياة العرب، لم يلغِ هذا التاريخ، بل أعاد ترتيبه، واستلهم تجاربه النيّرة، وشخصياته المثالية، وجعله نواة أولى للأخلاق ، ومنحه مركزا أخلاقيا ورمزيا جديدا، فصار الماضي جزءا من العقيدة، والعقيدة جزءا من السياسة، والسياسة جزءا من الحياة اليومية.

إرتباط التاريخ العربي بالإسلام شكّل نقطة التحول الكبرى ،لم يعد الحدث يقتصر على مجرد كونه واقعة زمنية للذكرى أو التفاخر ، بل صار مرجعا تفسيريا للواقع، ومصدرا للشرعية، وأحيانا أداة للصراع، الفتوحات، أحقيّة الخلافة، الفتن الكبرى، الانقسامات المبكرة، كلها لم تبقَ في كتب السيرة والتاريخ، بل انتقلت إلى الحاضر على شكل صراعات ،صراعات مؤجلة تُستدعى كلما ضاق الأفق أو تعثرت الدولة أو فشلت مشاريع الحداثة، وهكذا، أصبح التاريخ بدل أن يكون مخزون خبرة تحوّل إلى مخزون نزاع، تُستخرج منه الهويات القاتلة، وتُبنى عليه اصطفافات مذهبية وطائفية لا تنتمي إلى منطق العصر بقدر ما تنتمي إلى جراح قديمة لم تُشفَ بعد.

المفارقة أن العرب، على اختلاف انتماءاتهم، يجمعون على أحداث كبرى كان يفترض أن تؤسس لوجدان حضاري جامع: لحظات العدل الأولى، قيم الشورى، مركزية الأخلاق، فكرة المسؤولية، معنى العمران، واحترام العلم والعمل، هذه كلها حاضرة في التاريخ العربي ، لكنها غائبة عن الممارسة اليومية، نحتفي بها خطابياً، ونُجلّها نصياً، لكننا لا نترجمها إلى مؤسسات ولا إلى سلوك عام، وهنا يبرز السؤال المؤلم: لماذا نركّز على المشكلة ونهمل القيمة؟ لماذا نُعيد إنتاج الصراع ولا نُعيد إنتاج الحكمة التي وُلدت من رحمه ؟و الجواب لا يكمن في التاريخ نفسه، بل في طريقة تعاملنا معه، نحن لا نقرأ التاريخ كتجربة إنسانية قابلة للنقد والتجاوز والمحاكمة، بل كنص مقدّس، وهوية نهائية لا تقبل المراجعة، نُقدّس الأشخاص بدل الأفكار، ونحفظ الوقائع بدل فهم سياقاتها التاريخية، ونستدعي الصدامات بدل استلهام حلولها، ونعيد تكرارها بذات الخطأ والخطيئة ،دون أن نتعلم من تكرار مأساوية النتائج ،هكذا يتحول التاريخ إلى عبء على الحاضر مهما حاولنا أن نجعل منه كتفاً للنهوض به، وفي ظل غياب مشروع عربي جامع للمستقبل، يصبح الماضي هو الملاذ الوحيد.

تأثير التاريخ في حياتنا الراهنة يتجلّى في تفاصيل صغيرة وكبيرة: في اللغة السياسية المشحونة بالموروث، في المناهج التعليمية التي تمجّد ولا تُحلّل، في الخطاب الديني الذي يستحضر المعركة أكثر مما يستحضر المقصد والهدف والنتيجة، وفي الوعي الشعبي الذي يرى في الاختلاف تهديداً لا ثراءً، لكن التاريخ نفسه يقدّم لنا، إذا أحسنّا قراءته، دروساً ثمينة: أن الحضارات لا تقوم إلا بالتعدد، وأن القوة بلا عدل خراب مؤجل، وأن الدين (أي دين)حين يتحول إلى أداة متسلطة يفقد جوهره الأخلاقي، وأن الانقسام حين يقدّس يصبح قدرا لا مفر منه.

العبرة الكبرى التي يمكن استخلاصها من التاريخ العربي ليست في تعداد الأمجاد ولا في جلد الذات العربية لنفسها،بل في فهم لحظات النهوض والانكسار معا، لقد ازدهرت الحضارة العربية حين انفتحت على الآخر، وحين جعلت من العقل شريكا للنص، ومن الأخلاق أساسا للسياسة، ومن الإنسان غاية لا وسيلة، وانهارت حين ضاق أفقها، واحتكرت الحقيقة، وخلطت بين المقدس والبشري خلطاً لا يسمح بالمحاسبة.

أما الثمرات التي يجب أن تُقطف اليوم، فهي واضحة لمن أراد أن يرى: تحويل التاريخ من أداة صراع إلى مصدر وعي، ومن مخزن فتاوى إلى مخزن خبرات، ومن سلاح أيديولوجي إلى مرآة نقدية، المطلوب ليس القطيعة مع الماضي، بل المصالحة الناضجة معه؛ مصالحة تعترف بالأخطاء كما تعترف بالإنجازات، وتفصل بين القيم الخالدة والوقائع العابرة.
على الوجيزة,التاريخ لا يحكم علينا إلا بقدر ما نسمح له بذلك، هو حاضر فينا، نعم، لكنه ليس قدرا أعمى، يمكن له أن ينخرنا من الجذور ويشدّنا إلى الخلف، أو يمنحنا الثبات ونحن نتجه إلى الأمام، الخيار ليس في ما ورثناه، بل في ما سنفعل به، والتاريخ العربي، بكل غناه وتعقيده، ما زال قادرا ( إن أعيدت قراءته بعقل مفتوح )أن يكون جسرا إلى المستقبل، لا متراسا في وجهه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *