بقلم زكية لعروسي
في لحظات الانفجار الكبرى، لا تبدو الأرقام مجرد إحصاءات باردة، بل تتحول إلى شواهد دامغة على انكسار المعنى الإنساني. ما يجري اليوم بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان، مع امتداد ألسنة اللهب إلى الخليج والعراق، ليس مجرد تبادل للقصف أو استعراض للقوة، بل اختبار وجودي لفكرة الدولة ذاتها، ولمفهوم السيادة حين يختزل في القدرة على الإيذاء. فحين تستهدف شخصية المرشد الأعلى في إيران، علي خامنئي، فإن الضربة لا تقرأ في ميزان التكتيك العسكري فقط، بل في ميزان الرمزية السياسية أيضا، ويستدعى الرد لا بوصفه خيارا، بل ضرورة لإعادة ترميم الهيبة المجروحة. غير أن الرد، مهما بدا محكوما بمنطق الردع، يكشف مفارقة عميقة: السيادة التي تستحضر لتبرير العنف هي ذاتها التي تتآكل بفعل هذا العنف. كل صاروخ يطلق دفاعا عن الكرامة الوطنية يوسّع في الوقت نفسه دائرة الخطر على المجتمع الذي يفترض حمايته. وهكذا تدخل المنطقة في حلقة مفرغة من «توازن الرعب»، حيث لا يعود الهدف تحقيق نصر حاسم، بل منع الخصم من إعلان انتصاره. في هذا السياق، تتحول الأرقام : مئات القتلى في إيران، وعشرات الضحايا في إسرائيل ولبنان، وسقوط قتلى في الخليج والعراق إلى جغرافيا جديدة للألم، ترسم حدودا غير مرئية بين الأمن الموعود والخوف المعاش.
في طهران كما في بيروت، وفي مدن أخرى لم تعد بمنأى عن النيران، يتكرر السؤال الأخلاقي ذاته: من يحمي المدنيين حين تتقدم الحسابات الاستراتيجية على قدسية الحياة؟ النظرية الكلاسيكية للحرب العادلة شددت على التمييز بين المقاتل وغير المقاتل، لكن الواقع يكشف هشاشة هذا التمييز حين تقصف أحياء سكنية وتستهدف بنى تحتية بحجة الضرورة العسكرية. يصبح المدني شاهدا وضحية في آن واحد، ويتحول يومه العادي إلى احتمال موت دائم. هنا يفقد القانون الدولي فاعليته العملية إن لم تسنده إرادة سياسية صادقة، ويغدو التحذير من اتساع رقعة الصراع أقرب إلى صرخة في فراغ تتردد أصداؤه بين العواصم المتحفزة. ما يزيد المشهد تعقيدا أن الصراع لم يعد مواجهة صريحة بين دولتين فحسب، بل شبكة متداخلة من الفاعلين: جيوش نظامية، تنظيمات مسلحة، تحالفات إقليمية، وحسابات دولية تتقاطع عند نقطة اشتعال واحدة. إن منطق «الضربة المحدودة» الذي يفترض أن يردع الخصم، قد يتحول بفعل التراكم والسرعة إلى انزلاق واسع لا يملك أحد السيطرة عليه. التاريخ الحديث للمنطقة حافل بأمثلة لحروب بدأت باعتقاد أنها قابلة للاحتواء، ثم انتهت بإعادة رسم خرائط النفوذ وترك ندوب عميقة في الذاكرة الجماعية.
الفلسفة السياسية تعلمنا أن الحرب ليست انقطاعا عن السياسة، بل امتداد لها بوسائل أخرى، لكن ما نشهده يوحي أحيانا بعكس ذلك: كأن السياسة هي التي أصبحت امتدادا للحرب، تصاغ بياناتها بلغة الصواريخ، وتقاس مصداقيتها بعدد الأهداف المصابة. في هذا المناخ، تتراجع مساحة الحكمة لصالح منطق الاستعراض، وتختزل المعادلات المعقدة في ثنائية تبسيطية بين رد ورد مضاد. غير أن الردود المتبادلة، مهما بدت محسوبة، تحمل في طياتها احتمالات سوء التقدير، والشرارة الصغيرة في بيئة متوترة قد تكفي لإشعال حريق يتجاوز كل الحسابات. يبقى السؤال معلقا بين أنقاض المباني وصمت المقابر الجديدة: هل تستطيع القوى المنخرطة أن تعيد الاعتبار لفكرة السياسة بوصفها فنّ إدارة الاختلاف لا فنّ تصعيده؟ أم أن المنطقة محكومة بدوامة يتغذى فيها الشعور بالتهديد من ذاته، فيعيد إنتاج شروطه مرة بعد أخرى؟ بين منطق القوة ومنطق الحكمة تقف .شعوب بأكملها، تدفع ثمن صراعات تتجاوز إرادتها، وتنتظر لحظة يتقدم فيها صوت العقل على دويّ المدافع

يمكن اختزال مضمون مقال: التصعيد في الشرق الأوسط، في العبارة التالية: الزمن الضنين الذي تتكلمه لغة الوجود المعاصر ، هو زمن القوة والتقنية. ما يطرح الإشكال الفلسفي التالي: انهيار قيم السلام وحق الشعوب في الإقامة فوق الأرض، بكل حرية وسيادة.
غير أن ما يشي خلف لغة هذا الزمن الذي وضع الأرض وما ومن عليها في كماشة القنبلة النووية، هو فكر الأنوار المظلمة، الفكر الذي يتنكر لفلسفة الفكر الأنواري وقيم الحقوق ومفهوم الدولة الوطنية، وما يرتبط بها من مفاهيم: الدولة والسيادة، الحرية في تقرير المصير، الحق في الإقامة بسلام…..